العدد الثاني لسنة 2015
بأقلام أصدقاء البيت
قصة
بلا عنوان
بقلم : هدى الغرّاوي ..العراق
اعتدت
أن أراه كل يوم، رجل قصير القامة، يعلو كتفه الأيسر على كتفه الأيمن، كث
الشارب ذو أنف كبير في أحد جانبيه شامة لحمية بارزة، وعينان جاحظتان
تحورهما حمرة داكنة ربما كانت بسبب إدمانه على الخمر، حاجباه كادا أن
يتلاصقا، أجعد الشعر لونه مترب، وأعلى خده يوجد أثر جرح قديم، يترنح في
مشيته السكرى كأن كتفه اليسرى ستخلع كلما خطت قدمه اليمنى، يخال لي أنه
سيسقط عندما يصعد درجات السلم للوصول إلى غرفته المستأجرة في الطابق الثالث
من العمارة، ممسكا بالحائط كأنه طفل يلوذ بعباءة أمه، وما أن يصل الباب
حتى يسقط على تلك الأريكة، كانت غرفته عبارة عن مكان ملؤه الفوضى، التلفاز
يصدح بصوت الأغاني الصاخبة، أو نشرة أخبار لا جديد فيها، وكثيرا ما كان
يتابع أفلاما تسودها الألوان الكئيبة لا شيء غير القتل أو العري، تشعر حين
تراها كأنك في عالم لا يدرك غير العبث والشهوات، ساعة معلقة على الحائط
توقفت بشكل لا أعرف له تفسيرا، لأنني لاحظت أنها دون عقارب، وكان تحت
الساعة لوحة لفتاة شبه عارية بيدها كأس من الخمر، مخاط الشيطان يخفي جمالها
عنكبوت عجوز لف الصورة بخيوطه المسمومة ليقبع خلفها، تدلى من وسطها مفتاح
بخيط أسود كان معلقا بمسمار أعوج، بينما كانت قبالة التلفاز أريكة متخمة
بتلك الجثة التي تفوح منها رائحة الخمر مع رائحة عرق إبطيه، وتحتها تمكث
تلك القطة النوامة، التى كانت كصاحبها تخرج صباحا ولا تعود إلا عندما تشعر
بالتخمة، وأمام الأريكة طاولة سطحها تيبس عليه الخمر، لا تخلو من صحن فيه
بقايا من المزة وعلبتا ويسكي، مع كوب بلاستك أحمر اللون وضع بالمقلوب.
وملابسه ذات البقع من الصبغ الأبيض وضعت في حجر كرسي معاق لأنه فقد إحدى أرجله، أما أرضية الغرفة كانت مليئة بقشور الكرز وقشر برتقال متيبس.
هناك في ركن الغرفة يوجد باب آخر كان ذلك مرحاضا، بجانبه مغسلة وضع تحتها سطل يتجمع فيه الماء لأن الخرطوم كان فيه شرخ كبير، وأعلى المغسلة مرآة كسرت من وسطها مما يجعلك تضحك عندما تحدق بها لأنك ترى كائنا فضائيا ابتلع أنفه وفمه.
هكذا كانت غرفة (خيري الصباغ) وأنا أسكن قرب هذه العمارة منذ سنتين تقريبا، ولكن فيما بعد انتقلنا من هذا المكان إلى مدينة أخرى، ومضت الأيام حتى سنة وبضعة أشهر، صادف أن مررت بتلك العمارة الحمقاء، جلست قريبا منها على تلك الدكة أنتظر صديقي، لحظات وجلس بجنبي رجل يفوح منه عطر أقرب لرائحة القداح، وشعر ممسوح بلمسة دهنية جعلته يلمع، يلف حول عنقه لفافا أسودا، سلم علي كأنه يعرفني، استغربت من طريقة سلامه هذه، لكني عدت أتابع تخاطف السيارات علني أعثر على وجه صديقي صديقي أو أسمع أزيز دراجته..
أخرج الرجل سيجارة من جيبه وقدمها إلي، شكرته ممتنعا من تناولها، فأخذها فريسة شفتيه وراح يقرب النار منها،
حتى أخذ أول نفس وزفره بتأمل قائلا..
: منذ فترة طويلة وأنا أفتقدك في هذا المكان.
: عفوا هل تعرفني؟؟
: وكيف لا أعرفك علي ناظم الفنان التشكيلي.
: هااا،، أنا لا أدري أين رأيتك ملامحك مؤلوفة لدي.
: حقا،، بهذه السرعة نسيتني ياعلي؟
: معذرة لكني...
وقاطعني قائلا: أنا خيري الصباغ..
هتفت مرحبا به: أهلا وسهلا بك أخي خيري.
ومددت يدي لمصافحته بدهشة، لم أكن أصدق عينيّ.. خيري ذلك الرجل الذي تفوح منه رائحة الخمر أصبح بهذا الشكل الأنيق الذي يدعونني لرسمه بأزهى الألوان.
أعتذرت لعدم معرفتي له وذلك ليس نسيانا بل حاله الذي تغير بشكل جذري كامل، أخذنا نتجاذب أطراف الحديث فعلمت أنه لا يزال مدمنا، سألته قائلا:
خيري لماذا هذا الإدمان إنك تضيع نفسك وتجعلها في دوامة يصعب الخروج منها.
برقت عيناه بالدموع وهو يمد يده إلى جيبه، زفر بعبرة مخنوقة فأخرج محفظته، فتحها وجعلها أمام عيني قائلا: أنظر هذه الصورة..
كانت صورة لأمرأة ممشوقة القوام تحوط خصرها يد رجل أنيق يرتدي نظارة مظلله تعكس نور الشمس، ويقف بينما طفلان غاية في الجمال.
رفعت رأسي متساءلا: من هؤلاء؟؟
نزلت دمعة مسرعة على خده قبل أن يجيب قائلا: هذا أنا وزوجتي وطفلي، قبل عشر سنوات رحلوا بحادث سيارة ونجوت أنا وحدي بكتفي المخلوع من أثر ذلك الحادث، ومنذ تلك الحادثة أصبحت مدمنا وحياتي بلا عنوان.
وملابسه ذات البقع من الصبغ الأبيض وضعت في حجر كرسي معاق لأنه فقد إحدى أرجله، أما أرضية الغرفة كانت مليئة بقشور الكرز وقشر برتقال متيبس.
هناك في ركن الغرفة يوجد باب آخر كان ذلك مرحاضا، بجانبه مغسلة وضع تحتها سطل يتجمع فيه الماء لأن الخرطوم كان فيه شرخ كبير، وأعلى المغسلة مرآة كسرت من وسطها مما يجعلك تضحك عندما تحدق بها لأنك ترى كائنا فضائيا ابتلع أنفه وفمه.
هكذا كانت غرفة (خيري الصباغ) وأنا أسكن قرب هذه العمارة منذ سنتين تقريبا، ولكن فيما بعد انتقلنا من هذا المكان إلى مدينة أخرى، ومضت الأيام حتى سنة وبضعة أشهر، صادف أن مررت بتلك العمارة الحمقاء، جلست قريبا منها على تلك الدكة أنتظر صديقي، لحظات وجلس بجنبي رجل يفوح منه عطر أقرب لرائحة القداح، وشعر ممسوح بلمسة دهنية جعلته يلمع، يلف حول عنقه لفافا أسودا، سلم علي كأنه يعرفني، استغربت من طريقة سلامه هذه، لكني عدت أتابع تخاطف السيارات علني أعثر على وجه صديقي صديقي أو أسمع أزيز دراجته..
أخرج الرجل سيجارة من جيبه وقدمها إلي، شكرته ممتنعا من تناولها، فأخذها فريسة شفتيه وراح يقرب النار منها،
حتى أخذ أول نفس وزفره بتأمل قائلا..
: منذ فترة طويلة وأنا أفتقدك في هذا المكان.
: عفوا هل تعرفني؟؟
: وكيف لا أعرفك علي ناظم الفنان التشكيلي.
: هااا،، أنا لا أدري أين رأيتك ملامحك مؤلوفة لدي.
: حقا،، بهذه السرعة نسيتني ياعلي؟
: معذرة لكني...
وقاطعني قائلا: أنا خيري الصباغ..
هتفت مرحبا به: أهلا وسهلا بك أخي خيري.
ومددت يدي لمصافحته بدهشة، لم أكن أصدق عينيّ.. خيري ذلك الرجل الذي تفوح منه رائحة الخمر أصبح بهذا الشكل الأنيق الذي يدعونني لرسمه بأزهى الألوان.
أعتذرت لعدم معرفتي له وذلك ليس نسيانا بل حاله الذي تغير بشكل جذري كامل، أخذنا نتجاذب أطراف الحديث فعلمت أنه لا يزال مدمنا، سألته قائلا:
خيري لماذا هذا الإدمان إنك تضيع نفسك وتجعلها في دوامة يصعب الخروج منها.
برقت عيناه بالدموع وهو يمد يده إلى جيبه، زفر بعبرة مخنوقة فأخرج محفظته، فتحها وجعلها أمام عيني قائلا: أنظر هذه الصورة..
كانت صورة لأمرأة ممشوقة القوام تحوط خصرها يد رجل أنيق يرتدي نظارة مظلله تعكس نور الشمس، ويقف بينما طفلان غاية في الجمال.
رفعت رأسي متساءلا: من هؤلاء؟؟
نزلت دمعة مسرعة على خده قبل أن يجيب قائلا: هذا أنا وزوجتي وطفلي، قبل عشر سنوات رحلوا بحادث سيارة ونجوت أنا وحدي بكتفي المخلوع من أثر ذلك الحادث، ومنذ تلك الحادثة أصبحت مدمنا وحياتي بلا عنوان.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق