بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات أبحاث ودراسات :أنور غني الموسوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أبحاث ودراسات :أنور غني الموسوي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 5 أغسطس 2015

العدد الثامن لسنة 2015 ... بأقلام أعضاء البيت ملامح البوليفونية في نصوص السردية التعبيرية د أنور غني الموسوي




العدد الثامن لسنة 2015

بأقلام أعضاء البيت

ملامح البوليفونية في نصوص السردية التعبيرية

د. أنور غني الموسوي

  



رغم ان ميخائيل باختين أكد أن البوليفونية هي من خصائص الرواية و أن الشعر عمل فردي لا يقبل تعدد الاصوات و الرؤى (باختين 1981) ، فان هذا القول يكون صحيحا الى حد ما في الشعر التصويري المعتمد على الصورة الشعرية و المجاز في التعبير و المفتقر الى السرد و الحدثية النصية ، اما في السردية التعبيرية ، المعتمدة على السرد و تعدد الاحداث و الشخوص فان من الواضح امكانية تعدد الاصوات و الرؤى فيه (الموسوي 2015) . اذ ان البوليفونية الادبية و ان كانت قد اخذت تسميتها من الموسيقى الا انها استعملت في الادب بشكل استعاري للتعبير عن تعدد الاصوات و الرؤى في العمل الادبي كما صرح باختين بذلك بنفسه (باختين 1986) . مع ان البوليفونية الادبية يمكن فهمها على انها حضور اصوات في صوت واحد بحيث يكون صوت المتكلم صدى لاصوات اخرى ( ارثر فرانك 2006 ) ، بل يمكن تلمس ذلك في فكرة الهتيروكلوسيا (heteoglossia ) و تأثير البيئة على النص عند باختين نفسه ( باختين 1981) وهذه الفكرة بالذات يمكن ان تتجلى بأسلوب أدبي يتمثل فيها المتكلم رؤى الغير فتتداخل الاصوات و الرؤى بفن أسميناه ( تداخل الاصوات)( الموسوي 2015) . و ربما تكون نظرة باختين عن الشعر قد نتجت عن اعلائه و اعطائه امتيازا للرواية على حساب الشعر في فكرته البروسايكس (prosaics ) فانها ادبيا تعنى ما يقابل الشعر من ادب و اعلاء الرواية عليه (مرسن و امرسن 1990) .
من هنا يكون واضحا ان لتعدد الاصوات و الرؤى مجال أوسع في السرد التعبيري الشعري منه في السرد القصي للرواية و القصة ، اذ ان الاخير يعتمد على الشخوصية القريبة و الحدثية الحكائية ، وهو يتطلب الالتزام بالمعايير اللغوية النوعية في الشخوص و الاحداث و الاعتماد على الشخصية المادية و المعهودة نوعيا ، بخلاف السردية التعبيرية الشعرية فان الانحراف و الخروج عن المعايير اللغوية يمكّن من توسعة الشخصية النصية لتتعدى الشخصية الواقعية و المعهودة الى ما يمكن ان نسميه (بالشخصية النصية ) . و اما مسالة الارادة المقومة للرؤية في فكرة ( اللانهائية التعرفية ) (unfinalizability ) و الذي يعني عدم امكانية بلوغ المعرفة الكاملة عن دواخل و بواطن الاشخاص ، و انا مهما عرفنا الشخص فان هناك دوما جانب خفي عنا ( باختين 1984 ) فهو امر واقعي بلا ريب ، وهو مصطلح استخدمه باختين كمرتكز للبوليفونية و تعدد الرؤية في السرد ، و مرتكز الحوارية (dialog ) حيث لا يكون الحديث عن الشخص بل يكون معه ( باختين 1984 ) ، اذ مع المعرفة النهائية بالشخص لا تتحقق الاستقلالية المقومة للرؤية (فلاديميروفج 2006 ) ، و هي تقتضي عدم بلوغ احكام نهائية على رؤية الشخص و لا على موقفه و اعتماد الحيادية في الحديث عنه وان كل شيء متوقع الحصول ( مورسن و امرسن 1990 ) كما انها تعنى عند الكانطية الجديدة الصفة اللامتناهية للنفس في التقبل و التغيّر ( هيرمان كوهين 2011) . ان الاقرار بلانهائية المعرفة بالاشخاص و النهايات المفتوحة و امكانية التغير و عدم بلوغ احكام نهائية على بواطن الاشخاص يمثل فكرا عميقا و قاعدة للتسامح في حياتنا اليومية ( باول سميث 2008)
هنا سنتناول ملامح البلوليفونية في نصوص سردية تعبيرية حيث يكون السرد ضد السرد ، حيث السرد يمانع السرد ، حيث السرد لا يكون بقصد القص و الحكاية و انما بقصد الرمز و الاحياء ، و ستنتاول اشكال مختلفة من السردية التعبيري كتبت باسلوبي بولفيوني ، و هذه الاشكال هي :-
1- قصيدة نثر الكتلة الواحدة أو ما نسميه ( قصيدة نثر ما بعد الحداثة ) و التي تكتب بكتلة واحدة موحدة موضوعيا و تعبيريا و شكليا ، تتميزا لها عن الشكل الحر المعهود . وسنتناول هنا قصيدتان
الاولى : بيوت في زقاق بعيد للشاعر كريم عبد الله
الثاني : البركة الجريحة للدكتور أنور غني الموسوي
2- قصيدة النثر الحرة ، و التي تكون ملامح القصيدة واضحة بسردية تعبيرية الا انها ليست بكتلة واحدة و انما تكتب بشكل حر . و سنتناول هنا قصيدة
اجنة الجنان للشاعر فراقد السعد
3- النص الحر العابر للاجناس ، حيث تكتب السردية التعبيرية بشكل حر جدا يتموج بين الشعر و القص و الخطابة و نتناول هنا نص :
بوشكين للقاص و الشاعر فريد قاسم غانم
مما تقدم يظهر ان تجلي البوليفونية في النص يكون باربعة عناصر
الاول : تعدد الرؤى و الاصوات
الثاني : بروز شخوص نصية
الثالث : بروز حدثية نصية
الرابع : تعبيرات نصية اسلوبية كاشفة عن الرؤى
النص الأول : بيوت في زقاق بعيد للشاعر كريم عبد الله
في قصيدة ( بيوت في زقاق بعيد ) ذات الكتلة الواحدة ، تتجلى البوليفونية بتعدد الرؤى و الاصوات بشكل واضح تعكسه و تكشفه التعابير التالية :
1- أشجارها متجاورة الأغصان توحي بعضها لبعضٍ أنَّ أساريرَ الصباحِ تمضي بالتواريخِ صامتةً كالقراطيسِ القديمةِ وهي تشكو مِنْ الشيخوخةِ
2- صوتُ العصافير تحملهُ النسمات كلَّ صباحٍ تتركُ صغارها تتنزّهُ على الشناشيلِ
3- وظلّها يحكي للوسائدِ أنَّ الشمسَ لا تغيب ,
4- إذا دغدغَ الغبشُ أزهاره وهي تستفيقُ على نقيق الضفادع !
5- البيوتُ المتجاورةِ كانتْ تومىءُ للشمسِ أنْ بساتينَ الأزهارِ تناغي أقدامَ الفتيات فيشعرنَ بالأمان , ( ملاحظة هذه العبارة مكثفة صوتيا جدا فيها ثلاثة اصوات احدها للبيوت و الثاني البساتين و الثالثة للفتيات)
6- مذ كانَتْ حلوى ( يوحنا) تفضحُ رغباتهم الطفوليّةِ بما تحملُ مِنْ صلواتٍ تمجّدُ الربَّ
7- كانَ عنبُ ( عليّ ) مختوماً باسرارِ العرائشِ مستريحةً على الأسيجةِ تقبّلُ ضجيج النحلِ
8- وكانَ ( عثمان ) يسمعُ أصواتَ التلاميذَ ينشدونَ في ساحةِ المدرسةِ ( وطنٌ واحدٌ )
9- تحملُ ليَ الريحَ أصواتاً قادمةً تجلجلُ منْ وراء الحدود :- ( لا بدَّ مِنْ حكمٍ جديدٍ ) ,
10- وحدهُ السيف سينطقُ بالحقِ عالياً .
11- ضجيجُ المارّةِ في الشوارع لماذا بدأ يخفتُ بالتدريج ويتلاشى خلفَ الأبواب الخشبيّةِ وأنا أسمعها كيفَ تنشجُ الحزنَ ,
12- الأغصانُ تدعكُ ببعضها تأكلها نار تلتمعُ عليها السيوف حولَ الحاكمِ بأمرِ الله .
ان تعدد الاصوات في هذا النص المكثّف يحقق نسجا متفردا من التكثيف اذ لا تجد عبارة الا وهي صوت ، وهذه براعة تكثيفية يقلّ نظيرها وهي فعلا مظهر جليّ و رفيع للسردية التعبيرية . و من الواضح ان المؤلف مختف في كثير من فقرات النص بحيث لا تكاد تشعر بوجوده وهذا مهم للبوليفونية و تجسيد رؤى الشخوص . و الرؤى واضحة جدا و تمظهرت بصور شتى حلمية و مستقبلية و ماضوية و واقعية و عقائدية و فكرية و بتنوع بين ايضا . هذا النص ليس فقط يحقق البوليفونية بل يحقق صور عالية لها بسردية تعبيرية فذة .
النص الثاني : البركة الجريحة للدكتور أنور غني الموسوي
في قصيدة البركة الجريحة للدكتور انور غني الموسوي تتجلى البوليفونية بشكل سردي مع اسلوب تداخل الاصوات الذي يجيده الشاعر :
1- ظلّ انا و مرآة شاحبة ، أنثر ألمه المرّ في كلمات غريبة ( ملاحظة هنا تصريح تاأيفي بتمثل رؤى الاخر و تبنيها في تداولية واضحة )
2- في الطريق تلقاه الأعمدة الحجرية القديمة ، تحدّثه عن الذين مرّوا من هناك
3- و ايضا عن الارواح التي ملأت أعماق البركة بالنداء و الأغنيات الشجيّة ،
4- و بحبرها الاحمر تدوّن جراحها ، ما فعلته أيدي أبنائها الغالين .
5- لقد كان ذلك النحيل كثير الابتسام ، لا يهتّم كثيرا للنزيف اليومي من قلبه و ركبيه ، لا يريد أن يتوسّل عطف العالم الواسع و لا كلماته الحماسية .
6- تقول في نفسك : يا لشعره الأشعث ، يا لثيابه الرثة .
7- ايها القارئ يا أنا ، متى ترى جراح ركبتيه و قلبه اليائس ؟
البوليفونية بتعدد الاصوات و الرؤى ظاهر ، فان تعدد الرؤى ينعكس هنا بحواريات نصية في عبارات مثل ( الذين مروا من هناك ، الاغنيات الشجية ،ابنائها الغالين ، عطف العالم و كلماته الحماسية ، ايها القارئ يا انا ، متى ترى ) ، كما ان في النص شخوصية نصية انزياحية تتمثل بالبركة و الاعمدة القديمة و النخيل ) كلها شخوص لها موقف و رؤية بالنص الا انها شخوص اعتبارية انزياحية و ليست حقيقية معهودة . و في النص تجل ظاهر لفن ( تداخل الاصوات ) و تمثل رؤى الغير كما اشير اليها اهمها كلمة ابنائها الغاليين ) فانها صفة للابناء الآثمين وهي لا يمكن ان تصدر الا من أمهم الحنونة فالحكم النوعي الذي يشمل المؤلف يحكم سلبيا عليهم . و كذلك في ( ايها القارئ يا انا متى ترى ...) فان اللوم و العتاب للمتكلم لا يكون صادرا منه الا بانعكاس الخارج و الغير عليه كما لا يخفى .و بهذا النص يبرز شكل آخر لحيادية المؤلف لا تكون باخفاء صوته تماما و انما بتمثله و تحدثه باسم الغير و بصوته ، فالمؤلف هنا يتكلم الا انه لا يتكلم واقعا وله صوت الا انه ليس له صوت حقيقة .
النص الثالث : اجنة الجنان للشاعر فراقد السعد
في قصيدة أجنة الجنان للشاعرة فراقد السعد تتجلى البوليفونية في أدب قضية و بوح بسردية تعبيرية حرة بنص يبلغ اهدافه الشعرية و الانسانية ، وهذا شيء لا يكون متيسرا الا باعتماد التناص العميق و تمثل صوت الغير حيث تتجلى الافكار النوعية في صوت المؤلف .
1- هو عودُ ثقابٍ مقتدر … أسدلَ عيوناً شامخةَ الحلم .. ببُرْكةِ زيتٍ … إيّاكُمْ وبيع تفاحتي المختارة .. بأسواقِ العبيدِ …
2- هَيهات لعفّةِ الجدائِلِ …أصواتٌ يَشُوبُها نعيق …
3- أيا حوريتنا الموهوبة بسراديبِ الخرائطِ المرسومةِ …
4- تستهجنُ بزقزقاتٍ ضاحكةٍ … عوالمُ أقبية مخلدة في اللا نوم … هل ستأكل النار ..النار؟ …
5- يهدلُ نعي اليمام …ياااااا أنتِ ياالملغومة بشرفِ الحوريات …لَكَمْ جرئ إنسكابكِ !؟ …
6- تنحبُ الأسماءُ مخجولةَ الطرفِ … عينان غارقتان في الزيتِ … عينان غارقتان في الطُهرِ … تَجَمَّدَ الّلهب .. جلباب طهر … جَنينيَّةُ تمسكُ الجنانَ بحبلٍ سرّي …
7- تبتَهِلُ حشودُ الجنان … الّلَحنُ مريمي…الملائكةُ تفترشُ سجادة صلاة .
ان السردية التعبيرية واضحة وجلية ، و الشخوص النصية و الحدثية النصية ايضا واضحة ، و كذلك في النص حضور واضح لاصوات متعددة ، مع طغيان و ظهور للبوح و تعابيره المشيرة الى فكرة النص و قضيته الانسانية و الصوت النوعي الذي تمثله المؤلف .
النص الرابع : بوشكين للقاص و الشاعر فريد قاسم غانم
في نص ( بوشكين ) للتعبير و البوح مستويات عدة ، وهو من تفردات و تميزات نصوص فريد قاسم غانم ، اذ ان التكثيف لا يقتصر فقط على المادة التعبيرية بل طريقة التعبير ،تتجلى السردية التعبيرية في كل عبارة ، و في كل انتقالة سريالية و حالمة ، ان اسلوب لغة الحلم الواعي المنظم هو ما يجيده فريد قاسم و يسحر به القارئ .
تتجلى البوليفونية في النص في تعابير متعددة
1- من ثوبِها المُطرّزِ على طريقةِ بَدْوِ الجُنوب، كانت تنهمرُ روائحُ الأسفارِ القديمة.
2- قالت إنَّ اسمَها “رُوثْ”.
3- لم أصدِّقْ.
4- . هناكَ بكَتْ، حينَ انتبهت إلى أنَّ البيّاراتِ والحقولَ هاجرَتْ إلى سطحِ المدينة.
5- وقالت إنَّها تعثّرت باسمِها في خزانةِ جدّتِها فاكتست بِه.
6- وقالت إنَّ اسمَها “ناديا”**. لم أُصدّقْ.
7- ثمَّ، حينَ اشتدَّ ضوءُ المصباحِ في الزّاويةِ البعيدةِ، حملَتْ وجهَها في راحتَيْها، وصبّتْ ثلاثَ كؤوسٍ من النَّبيذِ المعتّقِ المقطوفِ من كرومِ سليمان؛ واحدةً لي، واحدةً للمرأةِ الواقفةِ على شجرةِ اللَّيْمون وواحدةً للقطِّ الأجعدِ ذي اللّكنةِ الرّوسيّة والرّموشِ الشّائبة.
8- كشفَت لي أنّهُ يعاقرُ الخمرةَ والتّحدّيَ منذُ قرنَيْن.
9- سقطَتْ دموعُها فأضاءَت الكؤوس. رأينا نورًا مالحًا على نورٍ مِزٍّ. تمتمَتْ: سيثملُ اللّيلةَ أيضًا ويخرجُ للعراكِ بينَ حاوياتِ القُمامة.
10- وأخشى أن تكونَ هذه جولتَه الأخيرة.
11- ها هو يخرجُ ويموءُ: “ناتاليا، ناتاليا”***.
12- لأنَّ بوشكين انزلقَ، زمجرَ، قفزَ على منضدةٍ أضيقَ منه، ثمّ ربضَ بيننا وبينَ المصباحِ، وأشعلَ ظلَّهُ الشّاسع على مدينةِ أوديسّا
ان هذا النص الثري الحواري لا يحتاج الى الكثر لبيان تعدد الاصوات فيه و تعدد الرؤى ، بل ان المؤلف المتقن حقق شرط الحوارية الباختينية بالتحدث مع الشخوص و ليس عنهم ، و كذلك من خلال تطور و تعدد مظاهر الشخصية المتحدث معها وتعدد اسمائها و رؤاها يحقق فريد قاسم غانم تجليا واضحا و نموذجيا لفكرة ( اللانهائية التعرفية unfinalizability ) .
ان هذا المستوى من الحرية و الثراء لنصوص السردية التعبيرية و التي لا تتحقق بهذا الشكل باي حال من الاحوال في الشعر التصويري ، يدلل و بقوة على ان هذا الشكل الادبي له من السعة و العطاء و الحرية ما يفتح الباب واسعا امام اسلوبيات فنية ابدعية كثيرة و كبيرة منها مثلا النص ثلاثي الابعاد و النص الفسيفسائي بالتعابير المتقابلة و لغة المرايا و النص السردي التقليلي ، اننا نرى ذلك بوضوح كما نرى شمس النهار .
المصادر
Bakhtin, M.M. (1984) Problems of Dostoevsky’s Poetics. Ed. and trans. Caryl Emerson. Minneapolis: University of Minnesota Press.
Bakhtin, M.M. (1986) Speech Genres and Other Late Essays. Trans. Vern W. McGee. Austin, Tx: University of Texas Press.
Paul Smith, Carolyn Wilde Acompanion to Art Theory -2008
Dmitriĭ Vladimirovich Nikulin - On Dialogue - Philosophy – 2006
Gary Saul Morson, Caryl Emerson Mikhail Bakhtin: Creation of a Prosaics - Literary Criticism- 1990
Practicing Dialogical Narrative Analysis Arthur W. Frank 2006

* مجلة تجديد الأدبية العدد الاول و الثاني 2015





الجمعة، 3 أبريل 2015

العدد السادس لسنة 2015 ؟؟؟ بأقلام أعضاء البيت السردية التعبيرية ..... رياض الغريب و ناظم ناصر نموذجا بقلم : الدكتور أنور غني الموسوي





العدد السادس لسنة 2015

بأقلام أعضاء البيت

السردية التعبيرية

رياض الغريب و ناظم ناصر نموذجا

بقلم : الدكتور أنور غني الموسوي







ضمن تعريف اكاديمي حديث لقصيدة النثر في موقع تقنيات الادب (literary device ) ) ، يبرز السرد كمقوّم اساسي لها ، لانّها شعر باسلوب سردي ، حيث ان الاتكاء على الصورة الشعرية هو من الشعرية التصويرية المعهودة ، وهي في جوهرها تخالف نثرية قصيدة النثر. قصيدة النثر ليست صورا شعرية بصورة نثر و انما سرد لصور شعرية انها شعر سردي و الفرق واضح .
الميزة الأهم للشعر السردي الذي يميزه عن النثر وان كان شعريا هو التعبيرية في السرد ، فبينما في النثر السردي يكون السرد لأجل السرد ، فانه في الشعر السردي يكون موظفا لأجل تعظيم طاقات اللغة التعبيرية.
تعتمد التعبيرية في اللغة على التوظيفات في ثلاث مستويات كما بيناه سابقا في مقالاتنا ، مستوى النص كقول و كتركيب لفظي معنوي ، و مستوى التجربة كعالم من المعاني و الحقول الفكرية المعنوية ، و المستوى الوسيط الرابط ينهما ، فبينما الجمالية في عناصر النص التعبيرية تعتمد على انجازات فردية اسلوبية على مستوى المفردات و التراكيب كوحدات كلامية ، فانّ عناصر الجمالية اللغوية في حقول المعنى الفكرية العميقة و العامة تكمن في اشكال تمظهر و تجلّي لمناطق و افراد تلك الحقول ، و اما العنصر الوسيط فهي عملية ذهنية رابطة تنتج عن عملية القراءة ، بمعنى اخر لدينا ثلاثة عوامل تنتج اللحظة الجميلة و الادهاش المصاحب : عناصر كتابية نصية و عناصر التجربة العميقة و عناصر قراءاتية و سيطة بالمعنى المتقدم ، هذا التناول هو شكل من اشكال النقد التعبيري ،و الذي بتجاوز اخفاقات النقد الاسلوبي في منطقتي العناصر القراءاتية الوسيطة و عناصر التجربة اللغوية العميقة .
سنتناول هنا كمنوذج للسردية التعبرين نصين من قصيدة النثر : الاول ( في صورته يرى) لرياض الغريب ، و الثاني ( ظل تقياه السراب ) و يكون من المفيد اولا ايراد النصين قبل الحديث عنهما :

( من صورته يرى )
رياض الغريب

من خوف تدلى من نافذة بعيدة
يرى أيامهُ
جهز كامرتهُ
ليلتقط صورة لحياتهِ بالمقلوبِ

اشار لهيئتهِ ان تقف على رأسِها
القدمان تختفيان
الرأس يختفي
ملامح واضحة لاسئلة مثقوبة
عينان
جهز كامرته
لمشهد لايتكرر

يستقبل فداحة ايامه بالخسائر
والذكريات البعيدة
في الطريق الملتوي
فوق اجساد العابرين يكتشف العشب ثقل المساء في قلوب المتلفتين ويفتح بابا لصوت قادم من امكنة يسكنها حلم راكض باتجاه افق شاحب لم تكن انت فيه.
عطل بسيط في الكامره أخر تصوير المشهد

هم يعتقدون
كلما اراد متلفت منهم ان يقد شروقه من وجع رافقه تصفعه الايادي التي تختفي خلف المشهد الشاحب.. في ذهنه ..
ياالله كم هي مؤلمة تلك الحياة التي نعيش
قالها وهو يحاول ان يرفع بيت الشعر
ليقضي على اخر ماتبقى لديه من ضوء الحلم
هو متعثر بالكلام
امام حقيقة الغياب
الصورة بالمقلوب
والمشهد عار لاتستر عورته عشبة المساء

&&&
ظل تقيأه السراب
كريح مسجونة في قفص
صوتي لا يخرج من عنق الزجاجة
ساعة رملية تتبدد في الوهم
أسقطني الذهول في حيرة الندم
أقف وحدي ...
انظر الى شمسي وهي تذوب في الأصيل
تبهت الألوان في كف المساء
تضيع التفاصيل في الظلام
والموجات الصغيرة تبلل الجذور
مبتهجة بالطين الذي يحمل سلالة التاريخ
وتناسل الحضارة
كان الزمن ... يتأبط الوقت
يظنه السكون ...
لكنه ريح راكدة...
ناظم ناصر

&&&&
النصان يرتكزان على السرد ، وهو عنصر نصّي ، الا ان حقل المعنى لكل منهما مختلف ، فمفردات و تراكيب رياض الغريب ، تتنقل وسط حقول قريبة في مفرداتها و تراكيبها ، اما حقول المعنى عند ناظم ناصر فانها تتنقل وسط حقول بعيدة شاعرية ، وهذه من عناصر التجربة اللغوية ، اذن السردية الشعرية ممكن ان تكون قريبة ، و ممكن ان تكون بعيدة . و طبعا كل من ذلك يفرض سياقات و اسلوبيات خاصة في تحقيق الصدمة و الابهار .
وسط هذا الجو القريب عند رياض الغريب ، تنبثق الخروقات اللغوية الابداعية في انزياحات و توظيفات فذة ، كعناصر كتابية جمالية فتحصل حالة تموّج تعبيرية ، تكون فيها العلاقة بين حقول الدلالة و المعنى و عناصر النص الكتابية علاقة متغيّرة ، وهذا توظيف في الوسط الرابط بين الدال و المدلول ، يقول رياض الغريب :
( من خوف تدلى ، من نافذة بعيدة \ يرى ايامه \ جهز كامرته \ ليلتقط صورة لحياته بالمقلوب )
ليس فقط المفردات المركزية التي خلقت الجوّ العام للنص ( خوف ، نافذة ، كاميرة، صورة ، حياة ) في توظيف عال المستوى لنقل القارئ الى حقل المعنى ، بل انّ العناصر الكلامية الرابطة ( تدلى ، بعيدة ، المقلوب ) كان لها اثر جمالي صادم ، لانها تحدث المفارقة و التناقص ، اذ انّ خط الكلام و الافادة يتجه نحو الرؤية و السيطرة و التمكن ، الا انّ هذه المفردات احدثت اخلالا في ذلك الجوّ ، احدثت اضطرابا في تناغم عقل القارئ مع فكرة القارئ ، لقد حصلت حالة انعطافية في القراءة اجلت نقطة الصفر القراءاتية ، فكأن فكر القارئ قد استدار و انعطف الى زاوية هزت كيانه ، و احدثت الهزة الجمالية الصادمة ، و ان كانت بهدوء يطغى على اسلوب رياض الغريب .
بينما في تعبيرية ناظم ناصر ، فبعد ان تم نقل القارئ الى عالم عال من الحقول المعنوي بقاموس شاعري ، ترسخ في ذهن القارئ الجو العام الانزياحي ، و هذا ينعكس على تأثير الانزياحات لتركيبية ، فيكون كأنه ينظر الى سماء بالوان مفردات النص و حقول المعنى التي تطرقه ، يقول ناظم ناصر :
( كريح مسجونة أقف وحدي \صوتي لا يخرج من عنق الزجاجة \ ساعة رملية تتبدد في الوهم \ اسقطني الذهول في حيرة الندم \ اقف وحدي \ انظر الى شمس وهي تذوب في الاصيل )
فرغم تبين الجو العام للنص بقاموس مفردات مأساوية وحزينة تخيم عليه الحسرة و اليأس ، الا ان التراكيب كانت مشتملة على استعارات و التشبيهات تعبيرية بلغة تحلق نحو شعرية بارزة . ان عناصر النص المنبثّة و سط التراكيب كانت فاعلة في تحقيق الوحدة السردية متمثلا بصوت المتكلم و اشيائه ، و بالوصف التفصيلي لاحوال الذات المركزية ، فكان الشاعر ممسكا بتراكيبه الشعرية و سط بناء سردي واضح . الابهار هنا مع هذه الشاعرية يعتمد كثيرا على تلك التركيبة الفذة بين سردية البناء و شعرية الوحدات الكلامية ، فتتحقق اللغة المتموّجة ، من خلال تلك العلاقة ـ فذهن القارئ يتنقل بين تصوير و تكوين لغوي متغير مع زمن النص ، و هذه الممارسة ايضا هنا لها اثرها في تحقيق الابهار ، بصوت هادئ .
اذن السردية التعبيرية ابدا ليست لأجل ان تحكي ، و انما لأجل ان تخلق لغة وسط اللغة ، و تعبيرا وسط التعبير ، و من الملاحظ ان التموّج في تلقي الخطاب في السردية التعبيرية يكون بشكل نار هادئة ، و افق واضح و فضاء موحد ، بينما تموجية التلقي في الشعرية الصوري تكون حماسية ، و على قدر واضح من التشظي .هذا الفرق الجوهري بين شعرية قصيدة النثر المعتمدة على التموّجية التعبيرية الهادئة و الموحدة ، و بين الشعر التصويري المعتمد على التموجية التعبيرية الحماسية المتشظية غاليا .
ان تاثير هذه العملية الذهنية و اثرها الواضح كعنصر جمالي و عنصر من عناصر الابهار ادركته المدرسة الاسلوبية متأخرا ، فاتجهت من التركيب الجملي المعتمد على خرف اللغة على مستوى تجاور المفردات الى النص كبناء كلي و فضاء للابداع اللغوي .
هذا الشكل من التعبيرية يتكرر في كل من النصين كمظهر من مظاهر التفنن اللغوي و عنصرا من عناصر الابهار الجمالي .
و في عنصر تعبيري اخر و هو امتداد للغة الصادمة يقول رياض الغريب
( القدمان تختفيان \ الراس يختفي \ ملامح واضحة لاسئلة مثقوبة )
وهنا بهذه التعبيرية يحقق الشاعر بوحا عميقا و تصل القصيدة السردية هنا الى ذروتها في محاكاة منطقية للسرد النثري . و نجد هذا الامتداد و الذروة السردية في قول ناظم ناصر :
( اقف وحدي \ انظر الى شمس وهي تذزب في الاصيل \ تبهت الالوان في كف المساء \ تضيع التفاصيل في الظلتم )
هنا في هذه اللوحة التعبيرية تصل قصيدة ناظم ناصر ذروتها في طرح الاعتراض و السؤال و وصف الحال .
حتى يستمر و يدخل في لمحة طلب الخلاص ، و بيان الرؤية ، و التعليل في قوله
( كان الزمن .. يتأبط الوقت \ يظنه السكون \ لكنه ريح راكدة )
في هذا المقطع المكثف طرح لجانبين من الحكاية ، التعليل وهو اساسي كثيرا في الشعرية السردية ، بحيث يختصر الشاعر الحال السابقة و يتجه نحو بيان علل و مسببات الوضع ، طبعا بتفكيرنا السردي و ليس بواقع النص الشعري المكثف ، و بالذي نراه كقراء و ليس بما هو عليه النص ككتابة ، ثم يتجه النص الشعري نحو لمحة الخلاصة و الحل ، الا ان هنا خفوتا في هذا الجانب ، وهو امتداد و فاء لليأس المخيم على النص ،فما هنا سوى تأبط للوقت و ظنون ، و سكون ، الا انّ هناك اشارة الى ريح راكدة يمكن ان تهيج . بالطبع هذه الخاتمة السردية لم ترد في الاساس ان تحكي لنا قصة ، و انما هنا توظيف عال للتعبير ، لبيان اكبر للفكرة ، و ايضاح تعبيري اكبر للدلالات ، ان السردية ي قصيدة النثر محاولة جادة لاغراق القارئ في النص ، و نقله بشتى السبل الى عوالم معناه ، بحيث يجد القارئ نفسه في لحظة ما انه ذاب في النص و عاش لحظته و كانه هو من كتب النص ، وهذا انجاز عال المستوى كلغة تعبيرية . يقول رياض الغريب :
( في الطريق الملتوي \ فوق اجساد العابرين يكتشف العشب ثقل المساء في قلوب المتلفتين و يفتح الباب لصوت قادم من امكنة يسكنها حلم راكض باتجاه افقشاحب لم تكن انت فيه \ عطل في الكامرة اخر تصوير المشهد \ هم يعتقدون \ كلما اراد متلفت منهم ان يقد شروقه من وجع رافقه تصفعه الايدي التي تختفي خلف المشهد الشاحب ... في ذهنه )
هنا يسطّر الشاعر التعليل و يصوره بصور مختلفة لها تأثير واضح في تجلّي المأساة و ديمومتها . مع أشارة رؤيوة نحو تلك العلل و مدى واقعيتها . ثم يتجه النص نحو طلب الخلاص ، و ان كان بتعبير عكسي بذكر نقيضه في لغة تعبيرية فذة حيث يقول
( هو متعثر بالكلام \ امام حقيقة الغياب \ الصورة بالمقلوب \ و المشهد عار لا تستره عورته عشبة المساء )


في ضوء ما تقدّم ، المبيّن لجانب من جوانب التفنن الاسلوبي العميق للشعرية السردية ، المتمثّل بالسردية التعبيرية ، يتضح الفارق بين سردية الفنون النثرية و سردية قصيدة النثر ، بل واختلاف الاخير عما في الشعر التصويري ، فيكون للقول بان قصيدة النثر جنس ثالث مجال عريض جدا .