بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص وحكايا القاصة صالحة بورخيص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص وحكايا القاصة صالحة بورخيص. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 23 نوفمبر 2015

العدد الحادي عشر لسنة 2015 ... بأقلام أصدقاء البيت .. مُكْرَهَة لا بطلة .... بقلم : صالحة بو رخيص






العدد الحادي عشر لسنة 2015


بأقلام أصدقاء البيت


مُكْرَهَة لا بطلة


بقلم : صالحة بو رخيص








ليل حالك مرّ بها وهي منشغلة على أمّها التي تمزّقها الأوجاع منذ أيام.... انتظرتْ بزوغ الفجر فربما رافقه بعض أمل في تحسّن حالها.... لكنّ الأنين بدا مثل خيوط حبل طويلة لم ينقطع.. مسحتْ العرق الذي يسيل فوق جبينها، أنفاسها تكاد لا تتجاوز قصباتها الهوائية.. حرّكتْها بقوّة وصاحت أمّي... أمّي... صعّدت نحْوها عينيْن غائرتيْن وتمتمت... ارفعيني الى الطبيب...
يبتعد الطبيب عن قريتهم النائية حوالي ثلاثين كلم... ماذا تراه سيفعل من كان في حالتها... ليس لها حلا الا سيّارة العم نجيب التقليدية التي تجاوزها ركب التطور رغم ذلك كلّما قادها بدا مثل طاووس منتفخ الريش، أسْرعتْ نحوه وكم كانت تكرهه فهو ما يفتأ يغازلها كلّما رآها حتى أنه طلب منها يوما أن تكون زوجته الى جانب الأولى.. وهي تخبره بالأمر كانت عيناه تبتلع القدّ الممشوق والخدّ الوردي وتتمعّن القامة الهيفاء والجمال الرباّني الاخّاذ دون مساحيق بل هي الطبيعة الفطريّة التي لا تحتاج زركشة ولا تلوينا...
استقلّوا السيارة الى الطبيب... رأس أمّها مرتم على صدرها، تجسّ من حين لآخر النّبض الذي كان يتأرجح بين مدّ وجزر لا يستقرّ على حال، تتصاعد من خلال تموّجه أنّات تنفطِر لها الكبد..
أُمّها... ومن لها غيرها... عندما توفّي والدها كانت في عمر الزهور... حرِصتْ على تعليمها ولم تحرِمْها حقوقها رغم الفاقة بل أرادت أن تجعل منها مثالا للبنت المثقّفة وسط عادات لا ترحم وقد ضحّت من اجلها وحيدة دون ان تُداس كرامتها...
السيّارة تسير وعيون العم نجيب الذي لا يمتلك من اسمه إلّا الحُروف تُصَوَّبُ نحْوها من حين الى آخر تلتهِمها التِهاما..
أسرعْ عم نجيب.. أُمّي مُتْعبة .. لا تتنفّس... ربما ماتت... امّي.. أجيبيني.. هل تشعرين بي.... أفيقي لمن ستترُكينني... أمّي... أمّي...
على سرير المستشفى امدّوها منهكة دون حراك.. أحاط بها الممرِّضون من كلّ جانب.. وضع الطبيب السمّاعات على صدرها... حرّكوها.. لا حياة لمن تنادي..
- هل ثمة امل.... سألت الطبيب ودمعها يترقرق بالمآقي
- منذ متى وهي على هذه الحال؟
- منذ أيام وساءت حالها بالأمس...
نزع السمّاعة.. أخذ بِيديْها الى مكتبه ....
- هل انت وحيدتها ..
- نعم...
اسمعي بنيّتي كُوني قويّة واعلمي أنّه لكلّ أجلٍ كتاب... نحن لا نملك ضرّا ولا نفعا لأنفُسنا ولا نخلق شيئا فينا.. كوني مؤمنة ومسلِّمة لقضاء الله.. لقد ماتت أمّك.. يرحمها الله...
اعتلتْها رعشة وأصابها الدّوار وغابت عن الوجود... حين أفاقت وجدتْ نفسها بين أحْضان العمْ نجيب يرْبُت على رأسها ويسْتمْتِع بمنظر خُدودها المتورِّدة...



الاثنين، 16 مارس 2015

العدد الخامس لسنة 2015 ... بأقلام أصدقاء البيت .... حنين .... صالحة بو رخيص










العدد الخامس لسنة 2015


بأقلام أصدقاء البيت


حنين


صالحة بو رخيص
 








فركت عينين كبلهما النوم بكماشته.. نهضت من مكانها واقتربت من الشرفة المطلة على الشارع الكبير.. بعض نجوم لم تفل بعد ولا تزال تغازل السماء.. هلال آخر الشهر يلفظ أنفاسه ليتوارى خلف الضوء..
صوت محرك السيارات بدأت وتيرته تقوى وان كان لم ينقطع طوال الليل.. الطريق يعمر بالمارة شيئا فشيئا .. الكل يسري مثل عصفور يغادر عشه باكرا يسعى إلى جلب قوته.. ترى الإنسان عصفورا وهو لا يعلم.. 
شعرت بضيق يكاد يقبض روحها.. لا شيء جديد يضفي على حياتها الفرح..
اتجهت نحو المطبخ أرادت أن تحضر قهوتها المرة ككل صباح وهي تهم بإحضارها خطر ببالها أمرا.. لماذا لا تكسر الروتين الذي يخنقها وتروح عن نفسها في هذا اليوم الربيعي الهادئ وتستقبل الشروق بعيدا عن ظلمة الغرف وجفاء الوحدة وبرودة الحيطان.. 
بثت الفكرة في جسمها جرعات من النشاط وشعرت بالحنين إلى حبات التراب وأحست بها تناديها لتعانق أصل خلقها.. 
اتجهت نحو سيارتها وحركت مقود السيارة بكثير من الإصرار نحو الأرياف المحيطة بالمدينة.. لاحت لها آخر نجمة في السماء بدت كأنها تحرضها على الخروج لتشهد أول اشراقة لخيوط الشمس بالريف..
كانت تشعر بسرعة السنين التي تمر مثل البرق بحياتها تأخذ من بريق عمرها وهي بين الحلم والوجع تعد الخسائر التي تسقط تباعا تهزم مقاومتها في البقاء رافعة الرأس.. شامخة بشموخ النخيل وناضجة بطعم الفاكهة اللذيذة.. 
السيارة تسير وذاكرتها تسير في اتجاه الماضي لتعود بها لأيام خلت من طفولتها.. تعود بها إلى مرتع الصبا.. رائحة التربة المبللة بالمطر وعبق الإكليل المنبعث من كامل أرجاء القرية تدغدغ حواسها.. يمرر فكرها مشهد البيدر و النورج يفصل الحب من السنابل والأم تطوف بكأس الشاي المعطر بالزعتر مع خبز الطابون. 
كم غيبت المدنية من مشاهد ساحرة، فألف حديقة لا تسوى شيئا أمام بساط موشى بالأخضر والأصفر والأحمر والوردي.. بساط طبيعي يحمل ألوان قوس قزح أنبته البديع دون مجهود أيادي ودون سماد صناعي، وكم قتلت من مشاعر صادقة وكم دفنت من تراث وهددت بفناء تاريخ أمة بعاداتها وتقاليدها، وكم لوثت من هواء فغدت الأرواح مختنقة يلبسها الحزن وتكتسيها الكآبة..
تقود سيارتها وكلما اقتربت من العمق أكثر كلما أحست بإنسانيتها تناديها إلى جذور الأرض..
تأخذ بصرها مناظر أشجار اللوز المزهرة والزيتون المتأصل عبر التاريخ والأزمنة على مشارف الأرياف.. شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.. لوحات فنية عذبة المذاق يجود بها فصل الربيع تبرز السر الرباني الذي أودعه الله في الكون..
بدأ النهار يكشف عن بياض أسنانه في انتظار أن يبتسم ابتسامته العريضة المرحبة باشراقة الشمس.. هناك، بين المروج الحافلة بالخضرة والفراشات الحالمة توقف الزمن وتوقفت ساعة الألم لتفسح المجال إلى لحظات نشوة روح..
هناك، سكنت عواصف الفكر وتشبعت أنفاسها بعبق الورد واستردت روحها حقوقها التي اغتصبتها المدينة.. 
هناك تعيش البساطة بكل جمالها..
هناك الهدوء فلا سيارات تمر ولا ضجيج ولا صياح الباعة ولا هرج الأطفال ولا عراك الكبار ولا تلوث بيئي..
هناك تقتفي آثار الأجداد في حبهم للأصالة وللطبيعة وللسكون.. 
هناك تحافظ النجوم على لمعانها ويحدثك القمر عن أجمل مغامراته مع العاشقين.. 
هناك وقبيل الاشراقة تعانقك نسمة هواء عليلة متأتية من ريح الجنة تتسلق لتغازل جسمك وتدغدغ أحاسيسك.. 
هناك النبع يترقرق والشحرور يغني والطير ينشد والأحلام لا حدود لها والفرح لا نهاية له، ويكبر الجمال في العيون وتقوى السعادة في القلوب.. 
هناك رفعت رأسها لتستقبل خيوط الشمس المتدلية من أجمل قرص منير على وجه البسيطة.. تسلقت ببصرها السلم الساحر إليه، أحست بهدوء غريب يلفها وغمرتها نشوة لا توصف..
فوق الهضبة المقابلة غنيمات ترتع.. تأملتها جيدا.. شعرت بالطمأنينة بقربها.. تراها أحسن منها ألف مرة.. فكر لا يحمل الهموم.. 
أغمضت عينين طالما كبلهما تعب الأيام وامتدت على الحشيش مستمتعة بمزامير النسيمات العليلة التي تداعب خصلات شعرها وفاسحة المجال للخيوط الذهبية تحضنها وتلقي بدفئها على جسدها المنهك..
كشفت أعماقها عن طفلة تسكن بين الأضلع، هاهي تسرح وتمرح معها.. هاهي تسابق الرياح مع الأطفال إلى المروج الخضراء الرحبة.. هاهي تحاول اعتلاء الشجرة الكبيرة لتجلب العصفور الصغير من عشه.. هاهي تهرب من يدي أمها لتعتلي التلة.. هاهي تصارع صديقتها حتى صرعتها..
انفلتت من قلبها ضحكة، ضحكت.. ضحكت كثيرا حتى تعالى صوتها يحمله صدى التلال المترامية وأغمضت إثرها عينيها لثوان لتنهض على ابتسامة الراعي يقف بقربها..




صالحة بورخيص/ تونس





الاثنين، 24 نوفمبر 2014

العدد السادس عشر لسنة 2014 ... بأقلام اصدقاء البيت... واختارت الغروب ... قصة قصيرة ... بقلم :صالحة بورخيص


العدد السادس عشر لسنة 2014

بأقلام اصدقاء البيت

واختارت الغروب

قصة قصيرة

بقلم :صالحة بورخيص






تسوقها رجلاها خارج البيت وغشاوة اليأس تنسدل على ملامح وجهها كما ينسدل ستار الليل بعد أن يودع خيوط الشمس المضيئة، لم تعد تنسج من الأحلام أردية الجمال كما كانت تفعل من قبل، تلتفت يمينا ثم شمالا، تصدع سمعها التوترات القادمة من الشوارع الكبيرة المنغمسة في وهج السراب المثقل بغمام الزحام لتقرر اقتصار الطريق عبر الأزقة المتخفية..
تواصل السير من زقاق إلى آخر، كم هي واهية مثل خيوط العنكبوت التي لا تقدر على مقاومة أخف النسمات، تنخفض درجات حرارة قلبها المرهق ليتجمد بريقه.. لا نسائم للسعادة بل غم يستقر بالأعماق ليغتال لحظات الفرح و ما الفرح في حياتها سوى قنطرة لرجع صدى الآلام..
خطوات منهارة وعينان غائرتان و روح يحوم اليأس حولها كما تحوم النسور حول الطريدة لتنهشها، فكلما تضيق حالها بما تحس يسرع قلبها ليلوك نفس النبض.. لا جديد في حياتها يذكر سوى الوجع الذي ينط فزعا بداخله.
ها هي تصل المدينة الخارقة لقوانين البشر تنشد بعض سكينة بين النيام، إنها تبحث عن مكان تدفن فيه الوجع المتغلغل في حبال الجسد والروح تغلغل الماء في جذور الشجر.
تقترب منها و تتنفس الصعداء ثم تسند رأسا مكبلا باليأس على الجدار الفاصل بين عالمين، عالم الأحياء وعالم الأموات، ما أروع هذه الحياة التي تسلخ عن جلدها الأدران و تنزع عن صدرها الشعور بأنين الخوف و الألم، تلتفت إلى القبور تعدها قبرا.. قبرا و تقيسها شبرا.. شبرا.. ترى كم سيكون رقم قبرها عند مواراتها التراب؟
ولا زالت تعد و تواسي نفسها حتى داعبها النعاس و غابت مع أمواج الأرواح المحلقة حولها..
صالحة بورخيص/ تونس









الأربعاء، 27 أغسطس 2014

وزفا شهيدان صالحة بورخيص

العدد السادس لعام 2014
 وزفا شهيدان
صالحة بورخيص

 ==============
و زفا شهيدان
اتجهت مع خطيبها خالد نحو متجر الأثاث حيث تتوفر كل أنواع الموديلات التي يستحقانها لتأثيث بيتهما فزواجهما لم يعد يفصله إلا بضعة أيام، يسيران وسط أمواج الفرحة، يتجاذبان الحديث بكل طلاقة و بصوت عال مما يلفت انتباه المارة في بعض الأحيان، إنها السعادة عندما تسكن نفوس الأحبة، السعادة في امتلاك نصف الدين و التوق إلى الاستقرار.
لأكثر من سنتين وهما ينتظران هذه الأيام ويرتبان لبناء عشهما قشة قشة ليقتسما السعادة في بيت واحد. سنتان يحلمان بتكوين أسرة سعيدة و يخططان حتى لعدد الأبناء، كل شيء كان متناسقا بينهما.
ماسكا بيدها، عابثا بأطراف أصابعها كانا يسبران في اتجاه المتجر وما إن دخلا حتى وجداه مكتظا بالزائرين، وهما يتجولان بحثا عما يرضي ذوقهما لفت انتباههما خبر بالشاشة المعلقة على الحائط مفاده أن مواجهات عنيفة نشبت بين مجموعات من الشباب الفلسطيني و العدو بسبب حرق طفل فلسطيني اثر خطف ثلاثة يهود، توقفا أمام المشهد والتفت إليها متسائلا: ما هذا، تراها الثورة من جديد؟ لقد تمادى هذا المحتل المجرم في صنيعه.
غادرا المكان بعد أن اختارا الأثاث واتفقا مع صاحب المتجر على جلبه أسبوعا قبل الزواج وسط تخوف من تطور الأحداث و تحولها إلى غزة.
تواصلت موجة الغضب لعدة أيام بالضفة و الخليل و كل المناطق وحمي وطيس المظاهرات المحتجة استعملت خلالها الوسائل البسيطة والمتاحة من طرف الشباب الفلسطيني من حجارة وزجاج حارق يقذفونها على مجموعات العدو كلما احتكوا بهم في نقاط التماس.
ذات صباح نهض خالد فزعا على أزيز طائرة تخترق الأجواء، فتح الباب بسرعة و بينما هو يبعث ببصره نحو السماء إذ بصوت انفجار يهز المنطقة، يا الهي تراها الحرب من جديد، رن هاتفه.. إنها خطيبته تصيح من فرط الهلع: هل علمت بالانفجار انه بالأحياء الشمالية.. يا الهي لقد عادت الحرب.
كان صوتها يرتجف من هول الصدمة، أردفت قائلة: اعتقد أن الشرارة ستحول نحو غزة من جديد، حاول طمأنتها: خير،لا تبالي.. لن يكون إلا الخير.
أراد أن يبعث فيها بعض أمل كان في حقيقة الأمر هو أيضا في أشد الحاجة إليه، أغلق الهاتف و حاول العودة إلى الفراش لولا هذا الصوت المزعج الذي يلحق سمعه من جديد سرعان ما أتبعه انفجار ثان، أسرع إلى الشرفة ليجد كل الأهل مجتمعين يرقبون بحذر محاولين معرفة مكان سقوط الصواريخ، تعالى بكاء إخوته من فرط الخوف، بعث ببصره ليجد الناس قد فرت من بيوتها يستكشفون الأمر.
نزل إلى الشارع الذي بدأ يتململ وقد دب الهلع في القلوب وسط تساؤلات الجميع عن السبب الذي جعل اليهود يقصفون منطقتهم وهي التي لم تبدأ بضربهم ولكنهم في كل مرة كانوا يبحثون عن ذرائع للتنكيل بالفلسطينيين والقضاء على المقاومة.
بدأ وطيس الحرب يلقي بظلاله على غزة مقتربا من العمق باستثناء الأحياء القريبة من مسكنه فقد بقيت نوعا ما في منأى عن الصواريخ و القذائف لذلك اعتبر هذا الأمر فرصة لعدم تأجيل زواجه، ناقش هذا الأمر مع أسرته ولكنها ارتأت أن يؤخره إلى ما بعد الحرب فلا يمكن أن تكون فرحة وسط رعب الموت، ولكنه أصر على عدم تفويت الموعد مفضلا أن يقتصر الأمر على احتفال بسيط و الاكتفاء ببعض المراسم.
ها هما يستأجران عربة نقل كبيرة من صديقه أوصلت لهما الأثاث إلى بيت الزوجية سرعان ما شرعا في ترتيبه وسط الغرف، الآن اكتمل النصاب فالصالون وبيت النوم والمطبخ و كل شيء قد جهز في انتظار الزفاف.
شعرا بالتعب فجلسا على الكنبة ينشدان بعض راحة، وسط هدوء جميل مد يدين يغمرهما الشوق و بدأ يربت على رأسها ثم ضمها إلى صدره و مال عليها مطبقا شفاهه بالقبلات هامسا في أذنيها: أحبك.
بعد سويعات كشفت الجرافة وهي ترفع ركام البيت عن جثتين لشاب و فتاة في احتضان أخير قبل أن يرتقيا مع صفوف الشهداء.


صالحة بورخيص


===========