بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات .. أنور غني الموسوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات .. أنور غني الموسوي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 11 سبتمبر 2015

العدد التاسع لسنة 2015 ... أبحاث ودراسات .... السردية التعبيرية و اسلوبياتها ... د. أنور غني الموسوي








العدد التاسع لسنة 2015

أبحاث ودراسات

السردية التعبيرية و اسلوبياتها

د أنور غني الموسوي






1- ابعاد النص و القراءة التعبيرية
للنص الادبي ابعاد ثلاثة ، فاضافة الى بعده الكتابي البنائي كنص بمفردات و جمل و فقرات متجاورة ، فان له بعدا ابداعيا اسلوبيا يتمثل بالفنية و الجمالية و الرسالية ، و له ايضا بعد لغوي دلالي يتمثل بتجلّي اللغة و النص و المؤلف و القارئ . ما يحصل اثناء الكتابة هو تقاطع خطوط هذه الابعاد و تقابلها و تلاقيها في النهاية في نقاط تعبيرية . بينما يكون تتبع عناصر البعد الابداعي الاسلوبي هو من القراءة الاسلوبية ، و تتبع عناصر البعد اللغوي الدلالي هو من القراءة الدلالية اللغوية ، فان تتبع نقاط تلاقيهما التعبيرية يكون بالقراءة التعبيرية بادوات النقد التعبيري . و من هنا يتجلى الفرق الواضح واصالة النقد التعبيري و تميزه عن الابحاث الدلالية و الاسلوبية و ان كانت جزء منه و مستفيدا من ادواتهما .
و من هنا ايضا يظهر ان التصور السائد كون النص كيانا زمانيا ترتب عناصره في الزمن لا يتسم بالواقعية ، بل ان النص كيان ثلاثي الابعاد ، بعد كتابي نصي و بعد لغوي دلالي و بعد اسلوبي ابداعي . يعتمد وضوح و تجلي هذا الشكل على مدى ظهور و قوة نقاط ابعاده المتقدمة اثناء القراءة .
حينما تحدث عملية القراءة فانها تتطور من مستوى المفردة الى مستوى الاسناد او التجاور المفرداتي الى مستوى الجملة الى مستوى الفقرة ثم الى مستوى النص بكله . اثناء كل مستوى يحضر البعد اللغوي الدلالي و البعد الابداعي الاسلوبي ، و بمجموع ما يتم من انظمة احتكاك و تقابل و التقاء و تقاطع و بفعل مستوى النقطة التعبيرية لكل بعد تحصل في الفكر و النفس مواضع تعبيرية لكل وحدة كتابية فيه يقابله بعد رابع خاص بالقارئ هو البعد الشعوري و الاستجابة الجمالية ، بعبارة اخرى بينما يكون النص ككيان مكتوب شكلا ثلاثي الابعاد ساكن لا حراك فيه ، فانه ككيان مقروء يكون كيانا متحركا له اربعة ابعاد البعد الرابع هو البعد الشعوري ويمثل بعد الحركة الذي يخرج النص من السكون . فتكون القراءة هي العملية التي تعطي للنص روحا و تخرجه من الموت الى الحياة ، وهذا ما نسميه ( حركة النص )

القراءة ما هي الا عملية مشاهدة و تلقي تبحر فيها النفس في عوالم النص و الكتابة ،و الفكر و اللغة ، و الخيال و الابداع ، و الشعور و المتعة . هذه العوالم الاربعة الحاضرة دوما في الكتابة الابداعية هي التي تضرب في عمق النفس و تجعل الكتابة الادبية مميزة ، و بمقدار تجلي عناصر و اشياء تلك العوالم و تلك الابعاد يتحدد وقع القراءة و مقدارها التعبيري . النقد التعبيري هو المجال الذي يبحث الانظمة المتحققة من تفاعل تلك الابعاد و ما ينتج عنها من مواضع و قيم تعبيرية في فضاء الكتابة و عوالمها . ان التشخيص الدقيق و عالي الكفاءة للبعد الجمالي للكتابة بواسطة ادوات النقد التعبيري و تحديد المقادير الكمية و التشكلات الكيفية للبعد الجمالي للنص يمكن من تشخيص عالي المستوى لقيم النصوص جماليا مما يعد مدخلا علميا للظاهرة الجمالية و الاستجابة الشعورية تجاه الجمال .
تعتمد التعبيرية في اللغة على التوظيفات في ثلاث مستويات كما بيناه سابقا في مقالاتنا ، مستوى النص كقول و كتركيب لفظي معنوي ، و مستوى التجربة كعالم من المعاني و الحقول الفكرية المعنوية ، و المستوى الوسيط الرابط ينهما ، فبينما الجمالية في عناصر النص التعبيرية تعتمد على انجازات فردية اسلوبية على مستوى المفردات و التراكيب كوحدات كلامية ، فانّ عناصر الجمالية اللغوية في حقول المعنى الفكرية العميقة و العامة تكمن في اشكال تمظهر و تجلّي لمناطق و افراد تلك الحقول ، و اما العنصر الوسيط فهي عملية ذهنية رابطة تنتج عن عملية القراءة ، بمعنى اخر لدينا ثلاثة عوامل تنتج اللحظة الجميلة و الادهاش المصاحب : عناصر كتابية نصية و عناصر التجربة العميقة و عناصر قراءاتية و سيطة بالمعنى المتقدم ، هذا التناول هو شكل من اشكال النقد التعبيري ،و الذي بتجاوز اخفاقات النقد الاسلوبي في منطقتي العناصر القراءاتية الوسيطة و عناصر التجربة اللغوية العميقة .


2 - السردية التعبيرية
ان ما يقابل الشعر هو النثر و ليس السرد كما يعتقد البعض ،السرد يقابله التصوير ، و الشعر حينما يكتب بشكل نثر فانه بالنهاية سيكون شعرا ، و المميز بين النثر و الشعر ليس الوزن كما هو معلوم ،و لا الصورة الشعرية و المجاز العالي كما اثبتته قصيدة النثر السردية بالكتلة النثرية الواحدة ، انما المميز بينهما ان الشعر يشتمل على السردية التعبيرية و لا يقصد الحكاية او التوصيل ، بينما النثر اما قصصي حكائي يقصد الحكاية او توصيلي بشكل خطاب و رسالة. بمعنى اخر ان الفرق بين الشعر و القص و اللذين يشتملان على السرد ، ان السرد في القصة حكائي قصصي يقصد الحكاية و الوصف ولو خيالا ،بينما السرد في الشعر تعبيري هو سرد لا بقصد السرد هو السرد الذي يمانع و يقاوم السرد ،انه السرد بقصد الايحاء و الرمز ونقل العاطفة و الاحساس لا الحكاية و الوصف.
السرد لا بقصد السرد ، السرد الممانع للسرد ، السرد لا بقصد الحكاية و القصّ ، السرد بقصد الايحاء و الرمز و نقل الاحساس و العاطفة ، هذه هي ( السردية التعبيرية ) .
مظاهر السرد التعبيري و الذي يكون القصد منه ليس الحكاية و الوصف و بناء الحدث ، و انما القصد الايحاء و نقل الاحساس ، و تعمد الابهار ، فيكون تجل لعوالم الشعور الاحساس بمعنى اخر ( ان الميزة الأهم للشعر السردي الذي يميزه عن النثر وان كان شعريا هو التعبيرية في السرد ، فبينما في النثر السردي يكون السرد لأجل السرد و الحكاية ، فانه في الشعر السردي يكون موظفا لأجل تعظيم طاقات اللغة التعبيرية. ) ( انور الموسوي 215)



3- اللغة المتموجة و وقعنة الخيال
جمال الأدب يكمن في طريقة التعبير و أسلوب الدلالة ، و لكل تعبير أدبي قدرة معينة على الكشف عن جماليات بدرجات مختلفة ، هذه هي المرتكزات الاساسية للنقد التعبيري ، اي البحث الواسع في اسلوب التعبير الادبي ، و لا بد من الاشارة انه لا علاقة للنقد التعبيري بالمدرسة التعبيرية و انما هو منهج اسلوبي موسع . مما تقدم من اهمية طريقة التعبير و الدلالة و تدرج تجلي عناصر الجمال تتبين قلة الاهمية في مبحث المداليل كهدف اساسي لأنه لا يعين المكمن الحقيقي للجمالية الادبية و ايضا تتبين لا واقعية فكرة الوجود التام و الفقدان التام لحقيقة الوجود الدرجاتي للعناصر الجمالية في العمل الادبي .
ان الواقعية مهمة في كل معرفة تقريرية و النقد معرفة تقريرية ، و هذه الواقعية تحتاج الى عنصرين الوضوح و التجريبية ، فما لم يكن هناك وضوح و ما لم يكن هناك قدرة على الاستقراء و التجريب فانه لا مجال لبلوغ الواقعية في النقد ، ولا تدخل الكتابة حيز الجدية و العطاء . ان النقد التعبيري ، بتركيزه على اسلوب التعبير و النظرة الواسعة الى العنصر الادبي ، و الانطلاق من امور بينة كالتعبير و الاستجابة الجماليات و المؤثرات الجمالية من معادلات و عوامل جمالية ، كل ذلك يعطي للنقد التعبيري درجة عالية من الوضوح و التجريبية و الاستقرائية .
وفق مفاهيم النقد التعبيري فان القراءة في جوهرها اندماج و عيش في النص ، و اذا لم يكن النص مقنعا فانه لا تتحقق هذه الغاية . على النص ان يحمل القارئ اليه و ان يجعله يعيشه ، و لا يقال ان المجاز العالي يعرقل ذلك ، بل العكس صحيح انما المجاز هو وسيلة لتعظيم طاقة اللغة و النص و اعطائه قدرة اكبر على التأثير و التقريب من نفس المتلقي .
الفنون الأدبية تعتمد الخيال في بناءها ، ليس فقط في ما ترمي اليه من معان ودلالات وانما في طريقة التعبير ، و ما الانزياح الا شكل من اشكال التعبير بوساطة الخيال ، اذ ان العلاقة الانزياحية خيالية كما هو حال المجاز ، اذ ريب ان هناك لاألفة بين المجاز و ذهن القارئ ، لذلك لا بد على النص ان يطرح مجازه بشكل واقعي ، طرح المجاز وهو علاقة خيالية بصورة واقعية هو ( وقعنة الخيال ) ، و وقنعة اشتققناها من كلمة واقعي ، و يمكن وصف حالة تحقيق الألفة لللاألفة التي يتميز بها الخيال التعبيري بانها حالة وقعنة له ، فالخيال المجازي في علوه و بعده و لاألفته الذهنية حينما ينجح المؤلف في تقريبه و الباسه ثوب الواقعية و الحقيقية فانه يكون طرحه بصورة واقعية وحقيقية .
ان اللغة المتموجة التي توفرها السردية التعبيرية ، و التي تتناوب بين مفردات و تراكيب توصيلية و اخرى مجازية انزياحية ، يعطيها ميزة لا تتوفر في الشكلين الاخرين من الكتابة ، اقصد السردية القصصية و الشعرية التصويرية ، فالاولى ليس لها الا ان توغل في التداولية و التوصيلية وتخفّض من مجازها و الثانية ليس لها الا ان تتعالى في المجاز . و لا يظن ان ذلك مختص بالبناء الشكلي اللفظي للنص بل انه ينفذ عميقا الى الجذور المعنوية و الدلالية و الفكرية له ، اذ ان الكتابة في كل واحد من تلك الاشكال تتصف بتلك الفوارق في كل مستوى من مستوياتها المختلفة .
لطالما تحدثنا عن لغة قوية تصل و تنفذ الى اعماق النفس الانسانية و في الوقت نفسه تحافظ على فنيتها العالية ، و يمكن ان نرى بوضوح ان السردية التعبيرية تحقق هذه الغاية فانها تخضع المجاز و الانزياح باي درجة كان الى الواقعية و الحقيقية و القرب ، انها جمع حر بين الالفة و اللاألفة انها جعل الشيء غير الأليف أليفا . و ربما لا احد يستطيع ان يقلل من قيمة الاسلوب الذي يتمكن بحرية و سلالة ان يجعل غير المألوف مألوفا ، السردية التعبيرية بكل حرية و سلالة تحقق ذلك .
ان التعبيرية المتموجة بين الواقعية و الخيالية في بناء نصوص السرد التعبيرية تحقق اللغة التي تنفذ الى الاعماق مع المحافظة على فنيتها العالية . و من الواضح ان الفهم و التصور الذي يقدم النقد التعبيري عن العناصر التي يشير اليها كما في الخيال المجازي هنا و وقعنته و تحقيق السردية التعبيري لتجليات عالية له و التموج التعبيري ، يمثل درجات عالية من الجدية و الواقعية في منهج النقد التعبيري بادواته الاسلوبية التعبيرية . كما ان وضوح عدم امكانية بلوغ مثل تلك الدرجات من الظهور و التجلي لحالة وقعنة الخيال في الشعر التصويري و السرد القصصي ، لضعف تجلي التموج التعبيري فيها يدل بلا ريب على التجريبية العالية و الاستقرائية البينة في النقد التعبيرية ، مما يمثل بابا واسعا و حقيقيا نحو بناء علمي للنقد الادبي .
4- التوافق النثروشعري
المعهود من الكتابة الأدبية ليس فقط التمييز بين الشعر و النثر ، بل رسوخ فكرة تضادهما فالكتابة التي تميل الى الشعرية و توظف تقنيات الشعر تضعف فيها النثرية ، و هكذا العكس في الكتابة التي تميل الى النثرية و توظف تقنياتها فان الشعرية تضعف فيها . هذا التضاد و التناسب العكسي بين الشعر و النثر هو المعروف و الراسخ في الكتابة لمئات السنين ، و لقد مثل الشعر الصوري المعهود النموذج الاوضح لهذه الظاهرة ، اذ كلما تعالى النص في شعريته ابتعد و نأى عن النثرية وهذا ما لا يحتاج الى مزيد بيان .
لكن الذي يبدو و كما بيناه في مقالنا ( اللغة المتموجة و التوافق النثروشعري ) ان هذا التضاد ليس ناتجا عن امر ذاتي و اساسي في نظام الشعر و النثر ، بل هو نتاج اسلوب الكتابة و الفكر السائد عنها . اذ قد بينت نصوص السردية التعبيرية ، وهو السرد الممانع للسرد و السرد لا بقصد السرد ان حالة التوافق بين الشعر و النثر ممكنة و واقعية ، و ان التناسب الطردي و التكامل بينهما ايضا ممكن و واقع .
ان السردية التعبيرية بسعيها نحو الغاية القصوى لقصيدة النثر في تحقيق الشعر الكامل بالنثر الكامل و تحقيق حالة الشعر المنبثق من وسط النثر ، وفرت الامكانية و القدرة على تحقيق نظام ( التوافق النثروشعري ) . و لا بد من التأكيد ان فكرة التوافق بين الشعر و النثر و لا ذاتية تضادهما هو نتاج اصيل و مستقل للسردية التعبيرية و غير مسبوقة في هذا الفهم و ان كان تلمس اشكال من تجليات نظام التوافق النثروشعري في سرديات تعبيرية عالية كالقران الكريم و ملحمة جلجامش .
هنا سنتعرض الى ملامح التضاد النثروشعري و نظام التوافق النثروشعري في نصوص من الشعر الصوري المعتمد على الصورة الشعرية و من الشعر السردي المعتمد على السردية التعبيرية للشاعر العراقي حسن المهدي الذي يكتب الشكلين الشعريين .
لقد وفرت السردية التعبيرية امكانيات كبيرة للنص لبلوغ هذه الغاية و تحقيق هذه اللغة ، اذ ان السرد يتطلب و بشكل قاهر عذوبة و قربا و سلاسة تحقق الفة للقارئ ، و تحقق التعبيرية ابحارا و صعودا و تحليقا و تعمقا يحقق الادهاش و الابهار الشعري. و من الجدير بالذكر ان اية سردية تعبيرية مستوفية لشروطها تحقق هذه الغاية ، لكن نصوص السرد التعبيري تتباين في مستوى النفوذ و الابهار ، اذ ان اسلوب الكاتب و قاموسه اللفظي و ميله التعبيري و البنائي يحدد درجة الميل نحو النثرية و انخفاض الشعرية او ميله نحو الشعرية و انخفاض النثرية. وهذا الميل ليس لحقيقة التضاد بين النثر و الشعر في النص السردي التعبيري ، و انما هو بفعل معالجة المؤلف و طاقاته التعبيرية ، فانه في قبال هذه الصورة يمكن تحقق التصاعد التناسبي الطردي بالنثرية و الشعرية في السرد التعبيري ، اي تحقيق درجات تصاعدية في كلا الجانبين في وقت واحد . وهذه الحالة التي يتحقق فيها علو فني لشعرية النص و نثريته في آن واحد يمكن ان نسميها (التوافق النثروشعري) وهي الحالة الفريدة و الوحيدة ربما التي يتحقق فيها تطور و تجل اكبر للنثر مصاحبا و ملازما لتطور وتجل اكبر للشعر ، فمع كل درجة شعرية اعلى يحققها الشعر تتحقق معه درجة نثرية اعلى للنثر .وهذا بخلاف حالة التنافر و التضاد بينهما في الكتابات الاخر و منها الشعر الصوري المعهود اذ ان حالة ( التضاد النثروشعري ) هي السائد بحيث ان كل تقدم و ميل نحو الشعرية في النص يقابله نقصان و تراجع في نثريته وهكذا العكس .
من اوضح الاساليب التي تحقق حالة التوافق النثروشعري هي اللغة التي تتموج بين القرب و التوصيل و بين الرمز و الايحاء ، و بين التجلي و التعبير ، هذه اللغة هي اللغة المتموجة بين التوصيل و الايحاء والتجلي ، بين المنطقية الانحرافية التركيبية اي بين واقعية الاسناد اللفظي و بناءاته و بين خياليته ولاالفته فتحصل حالة (وقعنة الخيال ) اي اظهار الخيال بلباس واقعي مما يعطي النص عذوبة و قربا و الفة و يزيل عنه اية حالة جفاء او جفاف او اغتراب يطرا عليه بفعل الرمزية و الايحائية. ان السردية التعبيرية باللغة المتموجة تبلغ درجات متقدمة من التوافق النثروشعري ، و تصل ساحة الشعر الكامل بالنثر الكامل .
للغة المتموجة اشكال و درجات بحسب قوة الخيال و الشعرية ، و سنورد هنا ثلاثة نصوص لنا مكتوبة بلغة متموجة تتباين في درجات شعريتها و سرديتها و نلاحظ كيف ان التوافق النثروشعري يتجلى بوضوح في السردية التعبيرية المكتوية بلغة متموجة .
5- اللغة الحرة و النص الحر
ان اللغة الحرة و النصوص الحرة العابرة للاجناس و التي ستكون و بلا شك الشكل المستقبلي للادب لن تاخذ شرعيتها بسهولة و بفترة قصيرة لأمور كثيرة اهمها تجاوزها الاجناس الادبية و تحطيمها لأعراف سائدة في اللغة و الادب . لقد بقي الادب يعاني من سطوة الناشر فكان يفارق رغبة المؤلف و رغبة القارئ لاجل ان يعجب الناشر فاهدر الكثير من الوقت و الجهد لتلبية تلك الارادات اللافنية و اللاعلمية ،اما الآن و بفضل النشر الالكتروني و امكانية النشر بشكل حر و تحرر مواقع نشر كثيرة من تلك الافكار ، صار الوقت مناسبا لظهور الادب الحر و اللغة الحرة و النص الحر العابر للاجناس ،فلا يكون امام عين القارئ سوى ما يريد ان يقوله و لا شيء سوى اللغة التي يريد استعمالها ،من دون وصاية لا فكرية و لا موضوعية و لا سلوبية ، بلا و لا ادبية فالمهم الكتابة و لا يهم ما جنسها و ما تصنيفها ، و الجمهور هو الحكم. لقد انتهى عصر الوصاية الادبية و بدا عصر الادب الحر و اللغة الحرة.
لقد اثبتت الكتابات الأدبية في العشرين سنة الأخيرة انه لا اهمية تذكر لتجنيس النصوص ، و صارت الكتابات الأدبية تتداخل حتى انها تصل الى حد لا يمكن تصينف النص الى جنس ادبي معين و يختلف في تجنيسه ، ممل مهّد لظهور النص الحر العابر للاجناس . و السردية التعبيرية بامكانتها الواسعة يمكن ان تكون البوابة الواسعة نحو النص الحر . و لا بد من تأكيد الفرق بين النص الحر العابر لاجناس الادببية و بين القصيدة الحرة ، التي تعتمد نمطيات و تقنيات الشعر الصوري . نعم النص الحر قريب جدا من قصيدة النثر ، الا انه ليس قصيدة نثر حرة ، بل هو نص ، قد يراه البعض شعرا و البعض قصة و البعض خاطرة و الاخر رسالة ، ان النص الحر يحرر المؤلف و القارئ و يحرر نفسه .
6- اللغة التجريدية
التجريدية في التعبير و اللغة هو استعما اللغة في نقل الاحساس و الشعور و ليس الحكاية ، فتتخلى الالفاظ عن وظيفة نقل المعنى الى نقل الاحساس المصاحب له كمركز للتعبير ، فيرى القارئ الاحاسيس و المشاعر المنقولة اكثر مما يرى المعاني .
و انطلاقا من فكرة انّ الابداع اللغوي و خصوصا الشعر لا يتجه بالأساس نحو البناء المعرفي و المفاهيم ، و انّ محور الابداع هو عالم المعنى و الشعور و الاحساس ، فاننا يمكن فهم اللغة التجريدية بانها اتجاه عميق نحو صور خالصة و مجردة وكلية لموضوعات الادب و عوالم الجمال و الشعور و الاحساس و المعنى ، التي تعصف بنفس الشاعر و تلهمه ، و تختلف هذه التعبيرية بشكل واضح عما يتجه نحو الجزئي من تجرية و جماليات و موضوعات قريبة ، و ينعكس ذلك بشكل ملحوظ على لغة التعبير لان خصوصية الموضوع لها تاثيرها الحاسم في شكل اللغة التي تتحدث عنه ، فبينما الجلاء و الوضوح و القرب و الاحتفاء و المجاز التعبيري وحتى الرمزية الموظفة من سمات اللغة المعبرة عن التصورات الجزئية لموضوعات الابداع و الجمال الجزئية بلغة تعبيرية جزئية تشخصية ، فان التجسيد الخالص ، و التصورات الكلية و الرمزية المبتكرة و التحليق الحر و العمق البعيد من سمات اللغة التي تتجسد فيها التصورات الكلية لموضوعات الابداع و الجمال الكلية بلغة تعبيرية كلية تجريدية .
لا بد من القول و بشكل حاسم و واضح ان الانطلاق بالكتابة من العوالم العميقة و الكلية للمعنى و الشعور لا يكفي لتحقيق التجريد ، بل لا بد من ان يظهر اثر ذلك في اللغة ايضا ، و لا تكفي الرمزية مع توظيفها و حكايتها و وصفيتها ، بلا لا بد ان تكون في وضع الاشعاع و التوهج المرئي بدل الحكاية .

بالاضافة الى عناصر الابداع من الفنية و الجمالية و الرسالية التي يجب توفّرها في العمل الشعري الناضج ، لا بدّ ان تتصف اللغة التجريدية بصفات محددة اهمّها ان تكون تعبيرا عن عالم عميق للمعاني و الاحاسيس ، بوجوداتها الخالصة الحرة ، البعيدة عن التشكل و القصد ، ببوح كلي و كوني و انساني عميق ، بمفردات و تراكيب لا ترى فيها الا تجليات و تجسيدات لتلك العوالم و عناصرها من خفوت شديد للقول و الحكاية و التوصيل ، بلغة تشع و لا تقول . حينها نكون امام لغة تجريدية لغة الاشعاع
التي تتجاوز مجال القول و التشخّص . 






الجمعة، 19 يونيو 2015

العدد السابع لسنة 2015 ......عدد خاص بمناسبة حلول الشهر الفضيل قراءات في نصوص قرآنية قوله تعالى ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ )... د أنور غني الموسوي




العدد السابع لسنة 2015

عدد خاص بمناسبة حلول الشهر الفضيل

قراءات في نصوص قرآنية

قوله تعالى ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ )

د أنور غني الموسوي




قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) . هي الآية ( 185) من سورة البقرة ، قال الطوسي في التبيان آية بلا خلاف .

قال الرازي في تفسيره
( اعلم أنه تعالى لما خصّ هذا الشهر بهذه العبادة بين العلة لهذا التخصيص ، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية ، وهو أنه أنزل فيه القرآن ، فلا يبعد أيضاً تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم ، مما يحقق ذلك أن الأنوار الصمدية متجلية أبداً يمتنع عليها الإخفاء والاحتجاب إلا أن العلائق البشرية مانعة من ظهورها في الأرواح البشرية والصوم أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية )

القراءة الظاهرية

في قاموس المعاني (أنزلَ يُنزل ، إنْزالاً ، فهو مُنْزِل ، والمفعول مُنْزَل :- نزل الشَّيءَ جعله يهبط . و المعنى ظاهر بكونه انزال للشيء كله . و يشهد لكون الانزال جملة في قوله تعالى (أنزل فيه القرآن ) ما رواه في الدر المنثور ( عن مقسم قال : سأل عطية بن الأسود ابن عباس فقال : إنه قد وقع في قلبي الشك قول الله { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } وقوله { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وقوله { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } وقد أنزل في شوّال ، وذي القعدة ، وذي الحجة ، والمحرم ، وشهر ربيع الأول ، فقال ابن عباس : في رمضان ، وفي ليلة القدر ، وفي ليلة مباركة جملة واحدة ، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجم مرسلاً في الشهور والأيام . ) فانها ظاهرة ان عطية المتلقي للآية فهم منها الانزال جملة لذلك حصل عنده الشك .
و لقد قال في الميزان ( والمراد بنزول الكتاب في ليلة مباركة على ما هو ظاهر قوله: { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } وقوله: )إنا أنزلناه في ليلة القدر (
وقوله: ) شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان ( أن النازل هو القرآن كله. و قد صرح ابن عادل في اللباب بان ذلك هو الحقيقة اذ قال (واعلم أن الجواب الأول ( اي الانزال جملة) حمل للكلام على الحقيقة ، وفي الثاني : لا بُدَ من حمله على المجاز؛ لأنًّه حمل للقرآن على بعض أجزائه .)
هذا و قد اشار اكثر من واحد الى الفرق بين الانزال و تنزيل قال الرازي (أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج ، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة )

الاشكال الموجه للقراءة الظاهرية
استشكل على هذه القراءة الظاهرية بالتنزيل التدريجي و تعلق ايات بالحوادت . قال الطوسي في التبيان ( فان قيل كيف يجوز أنزاله كله في ليلة، وفيه الاخبار عما كان، ولا يصلح ذلك قبل أن يكون؟ . و قال الرازي ( وههنا سؤلات : السؤال الأول : أن القرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة ، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما مبعضا ، وكما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور ، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان
و ايضا قد يستشكل بايات منها قوله تعالى : ( وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً ) وقوله: ) وقال الذين كفروا لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً ( ، الظاهرة في نزوله تدريجاً، ويؤيد ذلك آيات أُخر كقوله : ( فإذا أنزلت سورة محكمة) وقوله: ( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض) وغير ذلك ويؤيد ذلك أيضاً ما لا يحصى من الأخبار المتضمنة لأسباب النزول. كما عن الميزان .

جواب الاشكال
قال الطوسي في التبيان ( فان قيل كيف يجوز أنزاله كله في ليلة، وفيه الاخبار عما كان، ولا يصلح ذلك قبل أن يكون؟ قلنا: يجوز ذلك في مثل قوله: ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ( وقوله( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين( على اذا كان وقت كذا أنزل { لقد نصركم الله } كما قال تعالى ( ونادى أصحاب الجنة ( أي إذا كان يوم القيامة ( نادى أصحاب الجنة أصحاب النار ) .
و قال الرازي ( وههنا سؤلات : السؤال الأول : أن القرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة ، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما مبعضا ، وكما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور ، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان . والجواب عنه من وجهين الأول : أن القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا ، ثم نزل إلى الأرض نجوماً ، - الى ان قال الجواب الثاني عن هذا السؤال : أن المراد منه أنه ابتدئ إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان – الى ان قال - واعلم أن الجواب الأول لا يحتاج فيه إلى تحمل شيء من المجاز وههنا يحتاج فإنه لا بد على هذا الجواب من حمل القرآن على بعض أجزائه وأقسامه .

اقول اضافة لما تقدم فان الرواية و التي قال بها الاكثر بل حكي الاجماع عليه ان للقرآن انزالا غير التنزيل التدريجي الظاهر . و يشهد له قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) و قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) . و اما التنزيل التدريجي و تعلقه بالحوادث فيمكن ان لا يعارض ما تقدم بما تقدم من وجوه و يساعده امكانية ان يكون الانزال الاولاجمالا و ليس بالتفصيل الذي عليه التنزيل التدريجي ، و يشهد لتلك الطبيعة العليا الغيبية المغايرة للتفصيلي قال تعالى ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) قال في الميزان (لكن الذي لا ينبغي الارتياب فيه أن هذا القرآن المؤلف من السور والآيات بما فيه من السياقات المختلفة المنطبقة على موارد النزول المختلفة الشخصية لا يقبل النزول دفعة فإن الآيات النازلة في وقائع شخصية وحوادث جزئية مرتبطة بأزمنة وأمكنة وأشخاص وأحوال خاصة لا تصدق إلا مع تحقق مواردها المتفرقة زماناً ومكاناً وغير ذلك بحيث لو اجتمعت زماناً ومكاناً وغير ذلك انقلبت عن تلك الموارد وصارت غيرها فلا يمكن احتمال نزول القرآن وهو على هيئته وحاله بعينها مرة جملة, ومرة نجوماً. فلو قيل بنزوله مرتين كان من الواجب أن يفرّق بين المرتين بالإِجمال والتفصيل فيكون نازلاً مرة إجمالاً ومرة تفصيلاً ونعني بهذا الإِجمال والتفصيل ما يشير إليه قوله تعالى: ( كتاب أحكمت آياته ثم فصّلت من لدن حكيم خبير ) وقوله: ( إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون وإنه في أُم الكتاب لدينا لعليٌّ حكيم) اقول اما الاحتجاج بالايات فجيد و اما ما قدمه من اعتبار و تعلق بالحوادث فلا يتم و قد عرفت بيان الشيخ الطوسي في المقام .

الاخبار الخاصة بالانزال في ليلة القدر

روى الصدوق في العلل بطريق حسن عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام فان قيل : فلم جعل الصوم في شهر رمضان دون ساير الشهور ؟ قيل : لان شهر رمضان هو الشهر الذى أنزل الله تعالى فيه القرآن [ وفيه فرق بين الحق و الباطل كما قال الله عزوجل : شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى والفرقان ] وفيه نبأ محمد صلى الله عليه وآله وفيه ليلة القدر التى هى خير من ألف شهر ، وفيها يفرق كل أمر حكيم ، وهو رأس السنة يقدر فيها ما يكون في السنة من خير أو شر أو مضرة أو منفعة أو رزق أو أجل ولذلك سميت ليلة القدر .

و في الكافي عن حفص بن غياث، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سألته، عن قول الله عز وجل: " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن " وإنما انزل في عشرين سنة بين أوله وآخره؟ فقال أبوعبدالله عليه السلام: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ثم نزل في طول عشرين سنة، ثم قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: نزلت صحف ابراهيم في أول ليلة من شهر رمضان وانزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان وانزل الانجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان وانزل الزبور لثمان عشر خلون من شهر رمضان وانزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان ) والرواية مصدقة بالقران و بالحسنة المتقدمة .

و في الدر المنثور (وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن مقسم قال : سأل عطية بن الأسود ابن عباس فقال : إنه قد وقع في قلبي الشك قول الله { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } وقوله { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وقوله { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } وقد أنزل في شوّال ، وذي القعدة ، وذي الحجة ، والمحرم ، وشهر ربيع الأول ، فقال ابن عباس : في رمضان ، وفي ليلة القدر ، وفي ليلة مباركة جملة واحدة ، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجم مرسلاً في الشهور والأيام . و الرواية ثابتة قال في اضواء البيان (وفي معنى إنزاله وجهان : الأول : أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا ، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما . ) .
اذن رواية الانزال جملة قوية و هي مصدقة بالقران الكريم ، و لا يعارضها الانزال التدريجي و لا تعلق بعض الآيات باحداث خاصة .

روايات اخرى لا تصلح معارضا لما تقدم .

روى في الكافي بطريق حسن عن حمران انه سأل ابا جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى : " انا انزلناه في ليلة مباركة " قال : نعم ليلة القدر وهى في كل سنة في شهر رمضان في العشر الاواخر ، فلم ينزل القرآن الا في ليلة القدر ، قال الله تعالى : " فيها يفرق كل امر حكيم " قال : يقدر في ليلة القدر كل شئ يكون في تلك السنة الخبر .
و مع ان ظاهر هذه الحسنة مشعر بتعدد النزول الا انها تحمل على ما يوافق المصدق من الاخبار بان يحمل اختصاص الانزال الجملي بليلة القدر ، كما انه بهذا الحمل ايضا لا تكون الرواية متعرضة للتنزيل التدريجي .

و في الدر المنثور قال ( وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال : بلغني أنه كان ينزل فيه من القرآن حتى انقطع الوحي وحتى مات محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل من القرآن في تلك السنة ، فينزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا ، فلا ينزل جبريل من ذلك على محمد إلا بما أمره ربه .) الا ان هذه الرواية يردها الاجماع و المصدق من الاخبار ، و بمثل ذلك قال مقاتل ورده القرطبي بانه خلاف الاجماع حيث قال (وقال مقاتل في قوله تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } قال أنزل من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا ثم نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين شهرا ونزل به جبريل في عشرين سنة قلت : وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع أن القرآن انزل جملة واحدة )

اعتماد القول بكون الانزال هو الانزال من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة
قال القرطبي ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر ـ على مابيناه ـ جملة واحدة فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم كان جبريل صلى الله عليه و سلم ينزل به نجما نجما في الأوامر والنواهي والأسباب ) . و ايضا رده قول مقاتل بالاجماع . و قال السيوطي في الإتقان ( اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال أحدها وهو الأصح الأشهر أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما - الى ان قال - قال ابن حجر في شرح البخاري والأول هو الصحيح المعتمد .
اقول و يبدو ان هذا القول كالمسلم عند الاكثر قال الواحدي في الوجيز بما يشعر بالجزم ( شهر رمضان { الذي أُنزل فيه القرآن } (أُنزل جملةً واحدً من اللَّوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان ، فوضع في بيت العزَّة في سماء الدُّنيا ، ثمَّ نزل به جبريل عليه السَّلام على محمد صلى الله عليه وسلم نجوماً نجوماً عشرين سنةً .) ومن هنا و غيره يظهر ضعف الاقوال الاخرى .

التأويلات التي ذكرت بخصوص المقام

قال الطبرسي في مجمع البيان (اختلف في قولـه ( أنزل فيه القرآن) فقيل إن الله أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ثم أنزل على النبي بعد ذلك نجوم في طول عشرين سنة عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وهو المروي عن أبي عبد الله، وقيل إن الله تعالى ابتدأ إنزالـه في ليلة القدر من شهر رمضان عن ابن إسحاق ، وقيل إنه كان ينزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ما يحتاج إليه في تلك السنة جملة واحدة ثم ينزل على مواقع النجوم إرسالاً في الشهور والأيام عن السدي بسنده إلى ابن عباس ، - الى ان قال- و قيل المراد بقوله « أنزل فيه القرآن » أنه أنزل في فرضه و إيجاب صومه على الخلق القرآن فيكون فيه بمعنى في فرضه . كما يقول القائل أنزل الله في الزكاة كذا يريد في فرضها .و يضعفه قوله تعالى « هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان » فان هذا الوصف للقران و ما فيه من معارف كما هو معلوم .و يشهد له ) .
و اما القول الثاني فعرفت انه خلاف الظاهر و انه مبني على مخالفة الانزال جملة مع ظاهر التدريج الا انه لا مخالفة ، و القول الثالث بلا دليل تام و قد رده القرطبي بالاجماع .




.

الجمعة، 3 أبريل 2015

العدد السادس لسنة 2015 بأقلام أعضاء البيت ملحمة جلجامش سين ليقي اونيني اللوح الثامن : جنازة إنكيدو ترجمها الى الإنجليزية أندرو آر جورج 1999 ترجمها عن الإنجليزية الى العربية د. أنور غني الموسوي 2015







العدد السادس لسنة 2015

بأقلام أعضاء البيت

ملحمة جلجامش

سين ليقي اونيني

اللوح الثامن : جنازة إنكيدو

ترجمها الى الإنجليزية أندرو آر جورج 1999

ترجمها عن الإنجليزية الى العربية د. أنور غني الموسوي 2015

النسخة النموذجية البابلية لملحمة جلجامش ( هو الذي رأى العمق)





مع أول بصيص للفجر

أخذ جلجامش يندب صديقه

إنكيدو يا من أمّك ظبية

و أبوك حمار وحشيّ

يا من أرضعتك الحمر الوحشية حليبها

يا من علّمتك البهائم الرعي في العشب

إنكيدو ،لتندبك طرق غابة الأرز

ليل نهار بلا توقف

ليندبك شيوخ أوروك

لتندبك الحشود التي اعطتنا بركتها

لتندبك قمم التلال و الجبال

....... النقية

مراعي الكلأ ستنوح عليك كوالدة

لتندبك أشجار البقس و السرو و الأرز

التي في وسطها سرنا بعنفوان

ليندبك الدبّ و الضبع و النمر و الفهد و الأيّل و أبن آوى

و الأسد و الثور البرّي و الظبي و الوعل و جميع البهائم في البريّة

و نهر أولي المقدّس

الذي على طول منحدراته مشينا بعنفوان

ليندبك الفرات النقي

الذي سكبنا مائه في الشراب من القِرِب

ليندبك شباب أوروك

الذين شاهدوا نزالنا حينما قتلنا ثور السماء

ليندبك الفلاح في حرثه

حينما يمجّد إسمك بترانيمه العذبة

ليندبك ... الحشد في أوروك

من أرسل إسمك ... مع أوّل

ليندبك الراعي في مراعيه

الذي صنع لفمك الحليب و الزبدة

ليندبك إبن الراعي

الذي صنع الزبدة لك

ليندبك صانع الخمر

الذي صنع الشراب لفمك

لتبكيك الغانية

التي مسحتك بدهن حلو

لتندبك ... التي في بيت الزفاف

التي .... زوجة

ليندبك ...

ليندبك كإخوة

لتنشر جدائلها كأخوات

لأجل إنكيدو ، أمّك و أبوك ...

من الأن سأندبك كل يوم

إسمعوني أيها الشباب إسمعوني

إسمعوني يا شيوخ أوروك إسمعوني

سأبكي على إنكيدو صديقي

كإمرأة تمتهن النوح ، و سأنتحب بمرارة

كان الفأس التي تثق بها يدي

و الخنجر الذي في قرابي ، و الترس الذي يقي وجهي

كسائي للعيد ، و كان نطاق إبتهاجي

ريح شريرة أخذته و سلبتني

يا صديقي ، حمار وحشي في السباق ، حمار في الرابية ، و نمر في البرية

صديقي إنكيدو حمار وحشي في السباق ، و حمار في الرابية و نمر في البرية .

اجتمعت قوانا حين تسلقنا الجبال

و تظافرت حين قتلنا ثور السماء

و دمرنا خمبابا الذي يقطن غابات الأرز

و الآن أية نومة تلك التي قبضت عليك

أنت أصبحت فاقد الإحساس ، أنت لا تسمعني

رفعه لكنه لم يرفع رأسه

تحّسس قلبه ، لكنه لا ينبض

لقد غطى وجه صديقه كما يغطى وجه العروس

كالنسر أخذ يدور حوله

كلبوة حرمت من أشبالها

مشى هنا و هناك في هذا الطريق و ذاك

شعره المجعّد نتفه الى أكوام

لقد شقّ جيبه و كشيء محظور طرحه عنه

عند أول بصيص لبزوغ الفجر

جلجامش أرسل نداء الى الأرض

أيها الحداد ، النحاس ، الصائغ

زيّنوا صديقي

لقد صنع تمثالا لصديقه

ذراعي صديقي يجب أن تكونا .....

حاجباك يجب أن تكون من اللازورد ، و صدرك من الذهب

جسده يجب أن يكون من .....

يجب علي أن أسجيّك على سرير عظيم

عليّ أن أسجيّك على سرير المجد

عليّ أن أضعك على يساري على كرسيّ مريح

حكّام العالم السفلي سيقبّلون قدميك

سأجعل سكّان أوروك يندبونك و ينوحون عليك

و ساجعل أهل الفرح يحزنون عليك

بعد أن تذهب سيتجعّد شعري من الحزن

و بجلد أسد ساطوف البريّة

عند أوّل بصيص للفجر

جلجامش صعد و دخل خزانته

فكّ اقفالها و نظر الى المجوهرات

عقيق أحمر ، لازورد ، مرمر

عملوا بدّقة ومهارة

زودهم لأجل صديقه ....

..... زودهم لأجل صديقه

..... منّاً من الذهب زوّدهم لأجل صديقه

..... منّاً من الذهب زوّدهم لأجل صديقه

..... منّاً من الذهب زوّدهم لأجل صديقه

..... منّاً من الذهب زوّدهم لأجل صديقه

و بينها جعل ثلاثين منّا من الذهب

......زوّدهم لأجل صديقه

......زوّدهم لأجل صديقه

.....زوّدهم لسُمكه

......زوّدهم لأجل صديقه

............. كبير

......زوّدهم لأجل صديقه

.... لاجل خصره

......زوّدهم لأجل صديقه

......زوّدهم لأجل صديقه

......زوّدهم لأجل صديقه

......زوّدهم لأجل صديقه

......زوّدهم لأجل صديقه

...... لأجل قدمه

.... من العاج

الذي ثبّته ب.... مناً من الذهب

العظيم .... لذراعه .... زوّدهم لأجل صديقه

.... و تثبيته من الذهب ، زوّدهم لأجل صديقه

... ذراعه من العاج

الذي ثبته باربعين مناً من الذهب ، لأجل صديقه

ثلاثة أذرع طوله ....

.... سمكه ، زوّدهم لأجل صديقه

..... من الذهب الخالص

.... العقيق الأحمر

مثبّت ....

لأجل صديقه

لقد ذبح الثيران و الخراف السمينة و جعلها كوما عاليا لأجل صديقه

.... شَمَش ....

حملوا جميع اللحم الى حكّام العالم السفلي

الملكة العظيمة عشتار

عصى الرمي و خشبة الوهج

لأجل الملكة العظيمة عشتار ، عرضها أمام إله الشمس

( عسى أن تقبل عشار العظيمة ذلك

عسى ان ترحّب بصديقي و تكون بجانبه )

........................

لأجل نمرا ست ، عرضه أمام إله الشمس

( عسى أن يقبل نمرا ست ذلك

و يرحب بصديقي و يركون بجانبه )

قارورة من اللازورد

لأجل إرشكيجال ، ملكة العالم السفلي ، عرضها أمام إله الشمس

عسى أن تقبل إرشكيجال ذلك

و ترحّب بصديقي و تكون بجانبه

مزمار من العقيق الأحمر

لأجل ديموزي ، الراعي محبوب عشتار ، عرضه أمام إله الشمس

عسى أن يقبل ديموزي ذلك

و يرحّب بصديقي و يكون بقربه

كرسيّ من اللازورد

عكاز من اللازورد

لأجل نمتار وزير العالم السلفي ، عرضها أمام إله المس

عسى أن يقبل نمتار ذلك

و يرحّب بصديقي و يكون بجانبه

...............

لأجل هوشبيشا ، مضيف العالم السلفي

عسى ان يقبل هوشبيشا ذلك

و يرحّب بصديقي و يكون بجانبه

لقد صنع ...

قبضة من فضّة و سوارا من ....

لأجل كاسو تابات كنّاس إرشكيجال و عرضه أمام إله الشمس

عسى كاسو تابات يقبل ذلك

و يرحّب بصديقي و يكون بجانبه

عسى أنّ صديقي لا ... ، و لا أن يصاب في قلبه

من المرمر المرصّع باللازورد و العقيق الأحمر .

برسم لغابة الأرز

مطعّم بالعقيق الأحمر

لأجل نونشالوهّا ، منظّفة البيت ، عرضه أمام إله الشمس

عسى أنّ نونشالوهّا منظفة البيت تقبل ذلك

و ترحّب بصديقي و تكون بجانبه

عسى نونشالوهّا تكون.... قبل صديقي

عسى أنّ صديقي لا ... ، و لا يصاب في قلبه

خنجر ذو حدّين بمقبض من اللازورد

مزخرف بصورة الفرات النقي

لأجل بيبّو قصّاب العالم السفلي ، عرضه أمام إله الشمس

عسى أن يقبل بيبّو قصّاب العالم السفلي المزدحم ذلك

و يرحّب بصديقي و يكون بجانبه

......مع مسند من المرمر

لأجل ديموزي- أبزو كبش العالم السلفي ، عرضه أمام إله الشمس

عسى أن يقبل ديموزي - أبزو كبش العالم السلفي المزدحم ذلك

و يرحّب بصديقي و يكون بجانبه

...... الذي قمّته من لازورد

مرصّع باللازورد

لأجل ....... عرضه أمام إله الشمس

عسى أنّ ..... يقبل ذلك

عسى أن يرحّب بصديقي و يكون بجانبه

( بعد فجوة يرجع النص يكون المتكلم شخص آخر غير جلجامش )

.... الذي نحن ....

.....أسماؤهم ....

..... حكام الأنونّاكي .........

جلجامش سمع تلك الكلمات

و استوعب فكرة ( سدّ ) النهر

مع أول بصيص للفجر

جلجامش فتح بابه

جاء بمائدة كبيرة مصنوعة من خشب الأمّاكو

ملأها بصحون مصنوعة من العقيق الأحمر

ملأها بصحون مصنوعة من اللازورد

لقد زيّنَ ... و عرضها أمام إله الشمس

لقد عرضها أمام إله الشمس

( باقي تفاصيل جنازة إنكيدو لم ترَ الضوء الى الآن)



إنتهى اللوح الثامن