بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات د . فالح الحجية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د . فالح الحجية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 ديسمبر 2018

مجلة االبيت الثقافي العراقي التونسي العدد السابع لسنة 2018 موسوعة شعراء العربية /المجلد العاشر - الجزء الاول شعراء المعاصرة العرب .( الشاعر مـحـــمـــد حســـــين آل يــاســــــين ) بقلم د. فالح الكيـــــلاني .


مجلة االبيت الثقافي العراقي التونسي

العدد السابع لسنة 2018

موسوعة شعراء العربية /المجلد العاشر - الجزء الاول
 
شعراء المعاصرة العرب .( الشاعر مـحـــمـــد حســـــين آل يــاســــــين )
 

بقلم د. فالح الكيـــــلاني
.





ولد الشاعرالعراقي محمد حسين ال ياسين عام \ 1948 في مدينة بغداد. واخذ تعليمه الابتدائي والثانوي والعالي فيها فبعد ان نال شهادة الاعدادية دخل ( كلية الاداب) في جامعة بغداد فتخرج منها عام \1969 حاصلا على شهادة ( البكالوريوس ) في اداب اللغة العربية ثم حصل على شهادة الماجستير سنة \ 1973 ثم نال شهادة الدكتوراه سنة \1978 بتقدير ممتاز .
عين مدرسا ثم نقل الى جامعة بغداد عام \1973 وتدرج في وظائف هئيــــة التدريس باقسام اللغة العربية في جامعة بغداد منذ\ 1973 حتى وصل إلى درجة الأستاذية بعد حصوله على شهادة الدكتوراه .
احب الادب والشعر في صباه منذ كان طالبا في الدراسة الثانوية . وصقلت شاعريته في دراسته الجامعية وقد كتب الشعر في القصيدة العمودية واجاد فيها وابدع , الا انه كتب في قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ايضا الا ان اغلب شعره من الشعرالعمودي او التقليدي .
يقول في احدى قصائده :

مرافـــئ التيـــه...
غريباً أضيع بليل المدينة
والريح تمطرني أنجما من ظلامْ
أمد يدي أتلمس فيها بريقاً كأني به لؤلؤة
وما هي إلا نيازكُ أهوت على جبهتي مطفأة
وأسمع من خلل العصف
يذكرني بنشيج الشياطين
أو قهقهات السعالي
فأعدو وكفِّي على مقلتيَّ من الخوف في طرقات الزحام
زحام الهياكل والجن والصور المرعبات
وكف تلوّح في المستحيل إلى الشمس
في واحة الألق المتواري وراءالزمن
وجسمي يبرعم ألفَ ذراع
يطول إلى الأفق عند حدود الوطن
يناشد عبر سبات المدينة
ما تتصدق فيه المجاهيل
من موحشات القدر
شارك في العديد من المؤتمرات واللقاءات والمهرجانات الأدبية والشعرية على المستوى المحلي والعربي والدولي.
عرفت الشاعر محمد حسين ال ياسين من خلال مشاركاته في مهرجان المربد الشعري عام \ 1986 يوم القى قصيدته في قاعة بناية ( نصب الشهيد) ببغداد بحضور وزيرالثقافة والاعلام انذاك السيد لطيف نصيف جاسم وحضور اعداد غفيرة من المشاركين في مهرجان المربد الشعري من الشعراء العراقيين والعرب وكانت قصيدته حقا قصيدة رائعة . وكانت قصيدتي في هذا المهرجان التي القيتها من بعده بعنوان ( الشهادة والضريح ).
يقول في احدى قصائده العمودية ( قبلة على جبين عدن) :
حسبي أتيتك محمولا على كلمي
وفوق ظهريَ من دون المتاع فمي

أطوف حولك قديساً بلا حرم
كما يطوف حجيج الله بالحرم

حتى كأن طريقي يقتفي أثر
ما زال يعبق مني فيه عطرُ دمي

إن كان ما بيننا يا حلوتي نسب
فبي من الوجد ما يربو على الرحم

أقول لليل لِمْ خاتلتني شفقاً
لم تصح من سكرة اللقيا ولم أنم

إني حلمت وبعض الحلم مضيعة
لكن عزائيَ أني فزت بالحلم

حملت شوقك آها لا انقطاع لها
وإن بدا لك مني ثغر مبتسم

من أشتكي ولمن أشكو وأنت هما
ومحنتي فيك أني قاتلي حَكَمي

الميم والنون في (مَنْ) علَّما شفتي
أني إلى عدني أسريتُ لا عدمي

بكيت عمريَ قبل الحب من ندم
والآن أبكي مع اللقيا على ندمي

ظلت لحون قصيدي ترتجي نغما
مبرأ الوقع حتى كنت لي نغمي

فإن خشيت على عهد الشباب مضى
فبعد عينيك لا أخشى على هرمي

فُديتِ يا شفة الدهر التي اختزلت
بهمسة أحرقت أذني من الضَّرم

هناء عينيَّ أن تبقَيْ طريقهما
إلى الحياة وإلا فالوجود عمي

وأنت تدرين بعض اللوم من وَلَه
فلو صحا العاشق الولهان لم ينم

وليس عنديَ إلاّ صارم ذرب
في الصدر أحمله أسميته قلمي

أطعمتني الود مطويا على شمم
حتى أتيتك ودّا رائع الشمم

لو أبطأت قدمايَ اليوم عن عدن
تبرأت قدم في الدرب من قدم

حصل على جوائز شعرية كثيرة, من جامعة بغداد, وجمعية المؤلفين والكتاب العراقيين انذاك , ومن المجمع العلمي العراقي ,ومن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وحصل على الكثير من الامتيازات وخاصة بعد عام 2003 .
كتب عنه كثير من الادباء ومؤرخي الادب في العراق والدول العربية منهم : د داود سلوم, ود أحمد الربيعي, ود عناد غزوان, ود عبدالعزيز المقالح, وأنور الجندي, وثامرعطا إبراهيم. ومن قصيدته الحمى وهي رائعة من روائعه وتذكرني بقصيدة ( الحمى ) لشاعر العربية الاول (المتنبي ) ويقول في مطلعها :
[مَلومُكُمـا يَجِـلُّ عَـنِ الـمَـلامِ
وَوَقـعُ فَعالِـهِ فَـوقَ الـكَـلامِ

ذَرانـي وَالفَـلاةَ بِـلا دَلـيـلٍ
وَوَجهـي وَالهَجيـر َ بِـلا لِثـام

بينما يقول شاعرنا :
لي دون جمرك يا حمّاي ساعرة
ناران من وجديَ الضاري ومن قَلقي

هل عز مبترد التوحيد مغتسلاً
حتى أعمَّد بالثالوث من حُرَقي

حللْتِ ضيفاً فما ضاقت به مقل
فليس ذلك من طبعي ولا خلقي

لكن بليت بخلف منك عذبني
فلست أدري بصبح جئت أم غسق

إني لأكرمها لكن نازلتي
لم يُغْرِها من ندى عيني سوى الأرق

أنتِ اللعوب التي لو شاقها نزق
سقيتها بكؤوس الشوق من نزقي

وترقبين أصيل الشمس حائلة
لوناً لتلقيه في خدي وفي حدقي

هانت على الناس قبل اليوم موهبتي
أأنت والناس يا حمى على ألقي

لم يُبْقِ لي الدهر في عمري سوى رمق
ولم أزل رغم دهري صامد الرمق

بعد الثلاثين سبعاً عشت أُسْمنُها
من الهموم وأسقيها من الرهق

فهل ترى تهنأ الأشجار شاتية
بما تناثر فوق الأرض من ورق

وهل إذا خان مضمار بفارسه
يحلو السرى ولياليه لمنطلق

ركبت حُلْمي ولم أعثر به فإذا
بالحلم يهزأ من تيهي ومن طرقي

فيا صويحبتي زيدي العروق لظى
وعَتِّمي بسواد المشتكي شفقي

حسبي يد لم تفارق رغم رعشتها
يراعتي وفم أرويه من عرقي

ودون حكمك من خيلي العتاق هنا
قصيدة فعلى القرطاس مستبقي

وناشر من دثاري كل أشرعتي
حتى أرى بين جفني والرؤى أفقي

تتسم قصائد الشاعر محمد حسين ال ياسين بانها تمثل صورة شمولية عن تجربته الشعرية. وقصائده خالية من التعقيد والصعوبة، ، وتتسم بالنضوج الفكري، وامتلاكه لناصية الشعر الخصبة النابضة بالأحاسيس الوهاجة، واعتلاءه لصهوة الشعر بكل تمكن وجدارة ، وهو الذي جعل الشعر زاده وحياته شعراً منذ صباه، وعالمه شعراً ، حتى أنه بات يلتقط من صميم الحياة لحظات متوهجة لينقلها إلى مخيلته الشعرية، فيحيلها إلى قصيدة تنبض بروح الحدث المقتطع، وكأنه الوسيط بين الحياة وعالم الشعر، فينهل من واقع الحياة هذا النبع المتدفق الوهاج، الذي جعلها شاعرنا، نقية، صافية، رقراقة، ويعيش تجربتها ليحيلها إلى مفردات شعرية تنبض بالحياة ،حيث انه اختار أن يكون الشعر كل حياته، و يعيش ليكون شاعراً، وقد هيأ روحه وكيانه وأحاسيسه لذلك، حتى أن مجاله العملي صلة بتطوير هاجس الشعر لديه، أما مفرداته الشعرية فهي تمثل جزء ا من بنية القصيدة فهو يكتب القصيدة العمودية، ولا يحيد على تغيرها ، ويعتقد ً أن الانتقالات الحداثوية في مسيرة الحركة الإبداعية الشعرية، لا يعني التحول من العمود إلى التفعيلة في الشعرالحر ولا الى قصيدة النثر، بل ان الحداثة امكانية الشاعر في نقل القصيدة العمودية إلى عالم الحداثة وجتى المعاصرة .
للاستاذ محمد حسين ال ياسين العديد من الدواوين الشعرية والكتب الكثيرة منها مايلي :
1- نبضات قلب 1966
2 - الأمل الظمآن 1968
3 - قنديل في العاصفة 1975
4- مملكة الحرف 1979
5- الصبا والجمال 1980
6- سفر النخيل 1980
7- الأعمال الشعرية الكاملة 1980
8- أناشيد أرض السواد 1981
9- ألواح الكليم 1982
10- ديوان آل ياسين 1984
11- صوت العراق 1988
12- المزامير 1991
13- الصحف الأولى 1995
14- أساطير الأولين 1999.
ولايزال ينشد شعرا رائعا ويحضر المهرجانات والمناسبات

اما مؤلفاته الادبية والثقافية فمنها مايلي :
1- مقدمة في الأصول اللغوية المشتركة بين العربية والعبرية
2 - الأضداد في اللغة- العربية وبعض ظواهرها القديمة
3- الدراسات اللغوية عند العرب

واختم بحثي بهذه القصيدة المعاصرة (الشهيد)من شعره :
ستظل وحدك في القصيدة قائلاً
وأظلّ عنك إلى رواتك ناقلا

ويظلّ جرحك صارخاً في أحرفٍ
اطلقتهن عنادلاً وبلابلا

أرأيت ثغرك كيف يبدع صمتهُ في
كل ثغر شهقةً وهلاهلا

لمّا ابتكرت لكل عينٍ بسمة ت
جري فكنت بها ابتساماً هاملا

إن رحتُ افتقد المعاني لحت لي
في كل بيت من نشيدك ماثلا
إ
اذ لا يليق بمثل عرقك نازفاً
كرماً، يعود على القصيدة باخلا

اني عهدتك في الشدائد باذلاً
ابداً، فكن لي عند (يومك) باذلا

فآمدُدْ يد المقتول مسعفةً
فمي لم يبق لي إلاك معنى قاتلا

حتى لقد ادركت روعة نقصه
فكتبته بين القوافي كاملا

*******************
يا ابن الليالي الحالمات وكنت في
ارحامهن عواقراً وحواملا

اني غدوت وانت في رحم الثرى
حمل التراب وصرن هن قوابلا

يا محض اوصافٍ تعد ولا يُرى
موصوفها، اني خلقت شمائلا

فرداً تركت الكون بعدك موحشاً
وجعلت رمسك فيك وحدك آهلا

افديك وجهاً كنت اقرأ يأسه
حياً، وأشرق بالردى متفائلا

لمّا توهمت الثواكلُ موتهُ
وبكت عليه غدوت انت الثاكلا

ما إن فقدتك من عيوني راكباً
حتى ضممتك في ضلوعي راجلا

اودعت روحك لحظة فاذا
بها دهر، وخطواً فاستحال قوافلا

وكفرت بالمدن الفواضل
كذبةً فهجرتها واقمت قبراً فاضلا

ما زلت في دنيا الحقوق مسلةً
وبقيت في الارض العصية بابلا

لم أُلفِ موتاً هائلاً لم ينج
من حسد الحياة تريد موتاً هائلا

************************
يكفيك من حزن الليالي انها
ذرفت عليك النجم دمعاً هاطلا

نظمته بدماك عقداً لامعاً
ونفخته جيد المجسرةِ عاطلا

هل شمت نجما من أسى متدانيا
ودماً اليه من إباً متطاولا

حتى اذا نسجا غلالة باسم
يكسو ببسمته الحياة غلائلا

لاقيته متوقباً، فَخَبَرتَهُ
متربصاً بين الأنام مخاتلا

فعرفت ان الموت كأس والفتى
متحسباً سيعبّ منه وغافلا

وبأنك المأكول إن حاذرته
فاذا قحمت عليه كنت الآكلا

فاخترته – رهن الكرامة – عاجلاً
وحقرته – رهن المذلة – آجلا

وبلحظةٍ كنت احمراراً صاعداً
شفقاً وكان بها اسوداداً نازلا

حتى اذا اردكت منه مقتلاً
وكشفت منك لمقلتيه مقاتلا

كشفت عجاجاتها شهيدا عائدا
ابداً، وموتا بالهزيمة راحلا

إذ كان محض اجابة لحياته
ومضى فعاد مع الشهادة سائلا

ما احلولكت إلا له اطلالة
قمرا تقدره الحتوف منازلا

في كل آنٍ تمهُ ومحاقُهُ
يتعاقبان متاهة ودلائلا

إذ كان أسطع ما تلألأ غائباً
او كان اجمل ما تكامل آفلا

ما بين سجدته وبين قيامه
لمح مضت فيه الدهور ذواهلا

لما رأته راجعاً من فوره
فوق النوازل في الحياة نوازلا

حيث البسالة اطلعته مجسداً
في ألف معترك كمياً باسلا

ومدرعاً بالصبر يشبع بالمنى
زُغباً ويستر بالعفاف حلائلا

صوراً سمتْ عن ان تجامل في الهوى
حاشا هواه ان يبيت مجاملا

عرف المبادىء في الخطوب نواصراً
لا ان تروح خواذلاً ونواكلا

هل فوق ان دماه متكأ الدُنى
دون السقوط وفيه تدرك آيلا

فأسمعه يبكي ان رأى ببلاده
عن كل خير ترتجيه شواغلا

غرقى ببحرٍ من شقاقٍ، ضيّعتْ
عند احتدام الموج فيه الساحلا

إن احسنت شيئاً فتحسن موعداً
خُلفاً، وجِدا في المصائب هازلا

تستمرئُ الضعف المذل وشره
ان بات اعياداً وصار محافلا

تعدو الى اعدائها مزهوةً
ان حكمت في الامر رأياً عاقلا

وتضيق بالصوت الشريف تكمهُ
إذ كان من محض الحقيقة ناهلا

والهم مرتهن بمال طائلٍ
أنّى تزيد عليه مالاً طائلا

ويهون لو جلبت به خيراً لها
أو لو اقامت منه حكماً عادلا

لكن لتبني ألف سجنٍ مظلمٍ
وتقيم فيه مشانقاً ومقاصلا

حتى اذا ما اتخمت من غيًها
وتقيأته هوائلاً وغوائلا

برز الشهيد سحابةً سكّابةً
قد بشرت بالخير جدباً ماحلا

تعِدُ التراب بأن تغيث ظميهُ
إ ن لم يكن طلاً عليه فوابلا

لم يثنها عن سكبها ان جوزيتْ
بالحقد يضفره الجديب سلاسلا

فلأنها بغدٍ سيطلع صبرها
فجراً بما تهب الكرامة رافلا

منهُ سيبتدئُ الزمان طريقه
نحو الربيع المستفيض جداولا

درباً يمر بشاهدٍ وشهيدهِ
يتعانقان مناضلاً ومناضلا
.
امير البيـــــــان العربي
د. فالح نصيف الحجية الكيلاني
العراق- ديالى - بلـــــــد روز

*****************

الثلاثاء، 27 مارس 2018

العدد الثاني لسنة 2018 موسوعة شعراء العربيةالمجلد التاسع الجزء الاول شعراء العصرالحديث ( الشاعر محمد مهدي الجواهري ) بقلم : د فالح الكيلاني



العدد الثاني لسنة 2018

موسوعة شعراء العربيةالمجلد التاسع الجزء الاول
 
شعراء العصرالحديث

( الشاعر محمد مهدي الجواهري )

بقلم : د فالح الكيلاني






هو محمد بن مهدي بن عبد الحسين الجواهري النجفي العراقي
ولد الشاعر محمد مهدي الجواهري في مدينة(النجف الاشرف ) في السادس والعشرين من تموز عام \1899م ، و(النجف ) كانت ولا تزال مركزا دينيا وأدبيا ، وللشعر فيها أسواق تتمثل في مجالسها ومحافلها ، وكان أبوه عبد الحسين عالماً من علماء النجف ، أراد لابنه الذي بدت عليه علائم الذكاء والمقدرة على الحفظ أن يكون عالماً دينيا، لذلك ألبسه عباءة العلماء وعمامتهم وهو في سن العا شرة .
انحدر الجواهري من أسرة نجفية محافظة عريقة في العلم والأدب والشعر تُعرف بآل الجواهر ، نسبة إلى أحد أجداد الأسرة والذي يدعى الشيخ (محمد حسن )صاحب الجواهر ، والذي ألّف كتاباً في الفقه واسماه (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ) . وكان لهذه الأسرة ، كما لباقي الأسر الكبيرة في مدينة (النجف) مجلس عامر بالأدب والأدباء يرتاده كبار الشخصيات الأدبية والعلمية .
قرأ القرآن الكريم وهو في هذه السن المبكرة وتم له ذلك بين أقرباء والده وأصدقائه، ثم أرسله والده إلى مُدرّسين كبار ليعلموه الكتابة والقراءة، ثم أخذ عن شيوخه النحو والصرف والبلاغة والفقه وما إلى ذلك مما هو معروف في منهج الدراسة آنذاك . وخطط له والده وآخرون أن يحفظ في كل يوم خطبة من كتاب ( نهج البلاغة ) وقصيدة من ديوان (المتنبي) فيبدأ الفتى بالحفظ طوال نهاره منتظراً ساعة الامتحان بفارغ الصبر ، وبعد أن ينجح في الامتحان يسمح له بالخروج فيشعر انه خُلق من جديد ، وفي المساء يصاحب والده إلى مجالس الكبار .
أظهر ميلاً منذ الطفولة إلى الأدب فأخذ يقرأ في كتاب( البيان والتبيين) للجاحظ ومقدمة (ابن خلدون) ودواوين الشعر ، ونظم الشعر في سن مبكرة ، متأثراً ببيئته ، واستجابة لموهبة كامنة فيه .
كان أبوه يرغب ان يكون عالماً لا شاعراً ،الا ان ميله للشعر غلب عليه . وفي سنة\ 1917 توفي والده وبعد أن انقضت أيام الحزن عاد الشاب إلى دروسه وأضاف إليها دروس البيان والمنطق والفلسفة.. وقرأ كل شعر جديد سواء أكان عربياً أم مترجماً عن الغرب .
وكان في أول حياته يلبس( العمامة ) لباس رجال الدين لأنه نشأ نشأةً دينيه محافظة ، واشترك بسب ذلك في ثورة العشرين عام\ 1920م ضد السلطات البريطانية معمما ، ثم اشتغل مدة قصيرة في بلاط الملك فيصل الأول عندما تُوج ملكاً على العراق وكان لا يزال يرتدي العمامة ، ثم ترك العمامة و ترك الاشتغال في البلاط الملكي وراح يعمل بالصحافة بعد أن غادر( النجف )إلى (بغداد )، فأصدر مجموعة من الصحف منها جريدة ( الفرات ) وجريدة ( الانقلاب ) ثم جريدة ( الرأي العام ) وانتخب عدة مرات رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين .
لم يبق من شعره الأول شيء يُذكر، وأول قصيدة له كانت قد نشرت في شهر كانون الثاني عام\ 1921 ، وأخذ يوالي النشر بعدها في مختلف الصحف والمجلات العراقية والعربية ومن شعره في شبابه :
تَهَضّمَني قَــدّكِ الأهـيـفُ وألـهَـبَـنـي حُـسـنُـكِ المُترَفُ
وضايَقَني أنّ ذاك الـمِـشَدّ يضيقُ بـهِ خَـصـرُك المُرهَفُ
أميلي بـصـدرِك نَـبْـعَ الحياةِ وخلّي فماً ظـامـئاً يَرشِفُ
وميطي الرِداءَ عن البُرْعُمَينِ يَفِضْ عَسلٌ مِنهما يَرعفُ
تـعـالي أذُقْـكِ فـكـلّ الـثـمـار تَـــرفّ، ونــوّارُهـــا يُقطَفُ
نشر أول مجموعة له باسم ( حلبة الأدب ) عارض فيها عدداً من الشعراء القدامى والمعاصرين .
ترك النجف عام\ 1927 بعد تعيينه معلماً على الملاك الابتدائي في مدينة (الكاظمية ) وكان يطمح ان يعين مدرسا على الملاك الثانوي .
أصدر في عام \ 1928 ديواناً أسماه ( بين الشعور والعاطفة ) نشر فيه ما استجد من شعره .
استقال من الوظيفة في البلاط الملكي سنة \1930 ، ليصدر جريدته (الفرات) ، ، ثم ألغت الحكومة امتيازها بعد اصدار العدد العشرين منها فآلمه ذلك كثيراً ، وحاول أن يعيد إصدارها ولكن بدون جدوى ، فبقي بدون عمل إلى أن عُيِّنَ معلماً في أواخر سنة \1931 في مدرسة (المأمونية) ثم نقل إلى ديوان وزارة المعارف رئيساً لديوان التحرير .
وفي عام \ 1935 أصدر ديوانه الثاني بإسم ( ديوان الجواهري ) .
و في أواخر عام \ 1936 أصدر جريدة ( الانقلاب ) إثر الانقلاب العسكري الذي قاده (بكر صدقي ).وقد أحس با نحراف حكومة الانقلاب عن أهدافه التي أعلن عنها فبدأ يعارض سياسة الحكم فيما ينشر في هذه الجريدة ، فحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أشهر وبإيقاف الجريدة عن الصدور شهراً .
بعد سقوط حكومة الانقلاب غير اسم الجريدة إلى ( الرأي العام ) ، ولم يتح لها مواصلة الصدور ، فعطلت أكثر من مرة بسبب ما كان يكتب فيها من مقالات ناقدة للسياسات المتعاقبة . ومما كتبه هذه الابيات يقول :
قبل أن تبكي النبوغ المضاعا
سبّ من جرّ هذه الأوضاعا
سبّ من شاء أن تموت وأمثا
لك همّا وأن تروحوا ضياعا
سبّ من شاء أن تعيش فلولٌ
حيث أهل البلاد تقضي جياعا
خبروني بأن عيشة قومي
لا تساوي حذاءك اللماعا

لما قامت حركة مارس\ 1941 بقيادة رشيد عالي الكيلاني أيّدها وبعد فشلها غادر العراق مع من غادره إلى إيران ، ثم عاد إلى العراق في العام نفسه ليستأنف إصدار جريدته .
وفي عام \1944 شارك في مهرجان( أبي العلاء المعري) الادبي في( دمشق ) .
أصدر في عامي 1949 و 1950 الجزء الأول والثاني من ديوانه في طبعة جديدة ضم فيها قصائده التي نظمها في الأربعينيات والتي برز فيها شاعراً كبيراً .
شارك في عام \1950 في المؤتمر الثقافي للجامعة العربية الذي عُقد في الاسكندرية . وبعد عودته انتخب رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين ونقيباً للصحفيين .
ولما واجه مضايقات مختلفة من قبل الحكومة العراقية انذاك غادر العراق عام \1961 إلى لبنان ومن هناك سافر الى اوربا ليستقر في (براغ ) ضيفاً على اتحاد الأدباء التشيكوسلوفاكيين . وأقام في براغ سبع سنوات وصدر له فيها في عام\ 1965 ديوان جديد سمّاه ( بريد الغربة).
ثم عاد إلى العراق في عام \1968 حيث خصصت له حكومة العراق راتباً تقاعدياً قدره \150 ديناراً في الشهر .
وفي عام\ 1969 صدر له في بغداد ديوان (بريد العودة) .
في عام \1971 أصدرت له وزارة الإعلام ديوان ( أيها الأرق) .وفي العام نفسه رأس الوفد العراقي الذي مثّل العراق في مؤتمر الأدباء العرب الثامن المنعقد في (دمشق) . وفي العام نفسه أصدرت له وزارة الإعلام العراقية ديوان ( خلجات).
ترأس الوفد العراقي إلى مؤتمر الأدباء التاسع الذي عقد في( تونس ) في عام 1973 .
لم يطب له العيش في بلده لاختلاف الراي مع الحكومة فهاجر الى الخارج فاذا ببلدان عديدة تفتح له أبوابها للجواهري ترغب في ان يكون ضيفا عليها مثل مصر، المغرب، والأردن وسوريا ، وهذا دليل على مدى الاحترام الذي حظي به ولكنه اختار( دمشق) واستقر فيها واطمأن إليها واستراح فكرمه الرئيس السوري حافظ الأسد بمنحه أعلى وسام في البلاد بعد القاء قصيدته دمشق وان قصيدة الشاعر الجواهري (دمشق جبهة المجد) اشراقة جديدة في الشعر العربي الحديث يقول :
شممـت تربـك لا زلفـى ولا ملقا
وسـرت قصدك لا خبّـا ولا مذقا

ومـا وجـدت إلى لقيـاك منعطفا
إلا إليـك ومـا ألفيـت مفتـرقا

كنت الطـريق إلى هاو تنـازعـه
نفـس تسـد عليه دونها الطرقـا

وكـان قلبي إلى رؤيـاك باصـرتي
حتى اتهمت عليك العـين والحدقـا

شممت تربك أسـتاف الصّبا مرحـا
والشــمل مؤتلفا والعقـد مؤتلقا

وسـرت قصدك لا كالمشـتهي بلدا
لكن كمن يشـتهي وجه من عشـقا

قالوا دمشـق و بغداد فقلت هما
فجر على الغد من أمسـيهما انبثقا

دمشــق عشـتك ريعانا وخافقة
ولمـة العيـون السـود والأرقـا

تموجـين ظلال الذكريات هـوى
وتسـعدين الأسـى والهمّ والقلقا

توفي الجواهري في ( دمشق ) في السابع والعشرين من تموز\ 1997 ، ورحل بعد أن تمرد وتحدى الزمن والطغاة الظالمين ودخل معارك كبرى وخاض غمراتها واكتوى بنيرانها فكان بحق شاهد العصر الذي لم يجامل ولم يحاب أحداً . ولم يرضخ لاحد فكان نارا فوق علم وان الجواهري في رايّ الخاص لهو متنبي العصر الحديث لتشابه اسلوبه باسلوبه وقوة قصيد ه ومتانة شعره .
ومن دواعي الصدف ان الجواهري ولد وتوفي في نفس الشهر، وكان الفارق يوماً واحداً مابين عيد ميلاده ووفاته. فقد ولد في السادس والعشرين من تموز عام \1899 وتوفي في السابع والعشرين من تموز عام \1997
تميّز الجواهري بموهبة شعريّة قوية ومقدرة فنيّة عالية ونفس شعري طويل إذ تجاوزت بعض قصائده اكثر من مئة بيت كما زاد بعضها على المئتين مع المحافظة على القيمة الفنية لهذه القصائد و استطاع الحفاظ على صورة القصيدة العربية بأوزانها التقليدية ونفسها العربي الأصيل متحدياً بذلك كلّ حركات التجديد الشعري التي عاصرها كالمدرسة الرومانسية والابداعية ومدرسة الشعر الحرّ ومدارس الحداثة الأخرى . وكان نتاجه الشعري الغزير يبلغ عشرات الآلاف من الأبيات الشعرية في شتّى الأغراض الإنسانية المختلفة حيث نظم في كل الاغراض والفنون الشعرية المعروفة من فخر ومدح وهجاء ورثاء وغزل وحكمة فمن رثائه لزوجته ام فرات يقول :
حُيِّيتِ (أمَّ فُـرَاتٍ) إنَّ والـدةً
بمثلِ ما انجبتْ تُـكْنى بما تَـلِـدُ
تحيَّةً لم أجِدْ من بـثِّ لاعِجِهَـا
بُدَّاً, وإنْ قامَ سَـدّاً بيننا اللَّحـدُ
بالرُوحِ رُدَّي عليها إنّها صِلَـةٌ
بينَ المحِبينَ ماذا ينفعُ الجَـســدُ
عَزَّتْ دموعيَ لو لمْ تبعثي شَجناً
رَجعتُ منهُ لحرَّ الدمعِ أَبْـتَــرِدُ
خلعتُ ثوبَ اصطبارٍ كانَ يستُرُنـي
وبانَ كَذِبُ ادَّعائي أنني جَلِـدُ
بَكَيْتُ حتى بكا مَنْ ليسَ يعرفُني
ونُحْتُ حتىَّ حكاني طائرٌ غَــرِدُ
كما تَفجَّر عيناً ثـرة حَجَـــرُ
قاسٍ تفجَّرَ دمعاً قلبيَ الصَّلِــدُ
إنَّا إلى اللهِ! قولٌ يَستريحُ بــهِ
ويَستوي فيهِ مَن دانوا ومَن جَحَدُوا
وكان للجواهري القدح المعلى في شعره الوطني للعراق والامة العربية . ويتصف أسلوب الجواهري بالصدق في التعبير والقوة في البيان والحرارة في الإحساس الملتحم بالصور الهادرة كالتيار في النفس ، ولكنه يبدو من خلال أفكاره متشائماً حزيناً من الحياة تغلف شعره مسحة من الكآبة والإحساس القاتم الحزين مع نفسية معقدة تنظر إلى كل أمر نظر الفيلسوف الناقد الذي لا يرضيه شيء نتيجة الاحداث والمواقف التي مرت عليه واثرت في نفسيته الملهمة غيرالقانعة .
‏‎
واختم بحثي بهذه القصيدة الرائعة من شعره :

أرح ركابكَ من أيـنٍ ومن عثَرِ
كفاك جيلانِ محمولاً على خـطر ِ

كفاك موحشُ دربٍ رُحتَ تَقطعهُ
كأنَّ مغـبرَّة لـيل بلا سحَرِ

ويا أخا الطير في ورْد ٍ وفي صَدَرٍ
في كلَّ يومٍ له عـُشٌ عـلى شجرِ

عريانَ يحمل مِنقاراً وأجـنحةً
أخـفَّ ما لمَّ مـن زادٍ أخو سَفَرِ

بحسبِ نَفسَكَ ماتعيا النفوسُ به
من فرط منطلق ٍ أو فرط منحدر

أناشدٌ أنت حتفاً صنعَ منتحرِ
أم شابكٌ أنت , مغتراً, يدَ القدر

خفـَّضْ جَناحيكَ لا تهزأ بعاصفةٍ
طوى لها النسر كشحيه فلم يطر ِ

ألفى له عِبرةً في جؤجؤٍ خضبٍ
من غيره, وجَـناحٍ منه منكسِر ِ

ياسامرَ الحي بي شوقٌ يرمِضٌني
إلى الَّلداتِ, إلى النجوى إلى السمَرِ

ياسامر الحي بي داءٌ من الضجَرِ
عاصاه حتى رنـيـنُ الكـأس والوترِ

لا أدَّعي سهرَ العشاق يشبعَهُم
ياسامرَ الحي بي جْـوع إلى السهَرِ

ياسامر الحي حتى الهم من دأبٍ
علـيه آب إلى ضربٍ من الخدَرِ

ياسامر الحي انَّ الدهرَ ذو عجبٍ
أعيت مذاهبه الجلىٌ على الفِكَرِ

كأنَ نـُعماءه حبلى بأبؤسهِ
من ساعةِالصفو تأتي ساعة الكـَدَرِ

تـندسُ في النـَّـشوات الحُمسِ عائذَةً
هذي فـُتـدركها الأخرى على الأثَرِ

ينَغٌص العَيش إنٌ المَوت يدرِكهُ
فنحن من ذين ِ بين الناب والظفرِ

والعمرُ كالليل نـحييه مغالطة
يـُشكى من الطول أو يشكي من القِصَرِ

وياملاعــبَ أترابـي بمنعَطَفٍ
من الفرات إلى كوفـانَ فالجِزُرِ

فالجسرُ عن جانبيه خفقُ أشرِعةٍ
رفـّافةٍ في أعالي الجو كالطررِ

إلى (الخورنق) باق في مساحبهِ
من أبن ماء السما ماجرٌ من أثرِ

تلكم (شقائقه) لــم تــأل ناشرةً
نوافج المسك فضـّتها يدُ المَطَرِ

بيضاءَ حمراءَ أسراباً يموجُ بها
ريشُ الطواويس أو مـَوْشـية الحَبَرِ

للآنَ يـُطرب سمعـي في شواطئه
صدحُ الحمـام وثغيُ الشـاة والبقر

والرملة ُ الدمثُ في ضوءٍ من القَمَرِ
والمدرجُ السَمحُ بين السـُوح والحُجَرِ

يا أهنأ الساع في دنـياي أجمَعُها
إذا عددتُ الهنيء الحلوَ من عُمري

تصوبـَّي من علٍ حتـى إذا إنحَدَرتْ
بي الحتـُوفُ لذاك الرمل فانحَدري

تـُمحى الغضارات في الدنيا سوى شفق
من الطفولة عـذبٍ مثلها غضَرِ

وتـُستطار طيوفُ الذكرياتِ سوى
طيفٍ من المهد حتى الـلحد مُدٌكَرِ

في(جنـَّـة الخلد) طافت بي على الكـبر
رؤيا شبابٍ وأحلام ٍ مـن الصِغَرِ

مجنـَّـحاتُ أحاسـيـس ٍ وأخلية
مثل الفراشات في حقل الصـِبا النضِـر

أصطادهنَّ بزعمي وهي لي شركٍ
يصطادُني بالسنا واللطـِف والخفَرِ

أقتادهـُنَّ إلى حربٍ على الضجر
فيصْطلن على حربي مع الضجرِ
.
امير البيــــــــــــان العربي
د . فالح نصيف الحجية الكيلاني
العراق- ديالى - بلـــــــد روز

*****************************

الأربعاء، 13 يناير 2016

العدد الأول لسنة 2016 ... موسوعة (شعراء العربية )مجلد4 جـ2 ... الشاعر ابو الفتح البستي ... بقلم : د. فالح الكيلاني








العدد الأول لسنة 2016


موسوعة (شعراء العربية )مجلد4 جـ2


الشاعر ابو الفتح البستي


بقلم : د. فالح الكيلاني








هو أبو الفتح علي بن محمد بن الحسين بن يوسف بن محمد

بن عَبْد العَزِيز البستي وقد اختلف في اسم ابيه فقيل انه ( احمد ). كما اختلف في اسم جده فقيل ان اسمه ( الحسن ) فهو اما علي بن احمد بن الحسن بن يوسف واما علي بن محمد بن الحسين بن يوسف بن عبد العزيز البستي .

ولد في مدينة (بست) من اعمال سجستان سنة\ ٣٣٠ هجرية ـ 941 ميلادية ونسبته اليها :

الا انه يؤكد عروبيته او اصله العربي بقوله :

أنا العبد ترفعني نسبتي إلى عبد شمس قريع الزمان
وعمي شمس العلا هاشم وخالي من رهط عبد المنان

فهو اذن من الارومة القرشية فهو كما قال في شعره من بني امية من فرع عبد شمس ولم يذكر ذلك احد من المؤرخين ولا يوجد اعتراض على نسبه .

تتلمذ على يد وحيد عصره أبي حاتم محمد بن الحِبَّان في العلم والمعرفة والشعر والنثر .

وكا ن احد شعراء العصر العباسي المجيدين ومن الكتّاب المبرزين. ويوجد الكثير من شعره في بطون الكتب ولم يذكر كله وله ديوان مطبوع يحتوي على بعض قصائده ومن خلال الاطلاع على قصائده وشعره يتبين انه كان زاهدا في الدنيا وله في الحكمة وتذكر الاخرة يقول:


يا ناعماً بسُرورِ عَيشٍ زائلٍ
ستزولُ عنهُ طائعاً أو كارِها
إنَّ الحوادِثَ تنقُلُ الأحرارَ عن
أوطانِهِمْ والطَّيْرَ عن أوكارِها


وكان من كتّاب الدولة السامانية في خراسان وقد ارتفعت مكانته عند الأمير (سبكتكين) وقد مدحه بقصيدة نذكر منها هذه الابيات :


ما إنْ سمِعْتُ بنُوّارٍ لهُ ثَمرٌ

في الوَقتِ يُمِتعُ سَمْعَ المَرءِ والبَصَرا
حتَّى أتاني كِتابٌ مِنكَ مُبتسِماً
عن كُلِّ لَفظٍ ومعنىً أشبَهَ الدُّرَرا
فكانَ لفظُكَ في آلائِه زَهَراً
وكانَ معناكَ في أثنائهِ ثَمَرا
تسابَقا فأصابا القَصْدَ في طَلقٍ
للهِ من ثَمَرٍ قد سابَقَ الزَّهَرا


ولما توفي الامير دخل في خدمة ابنه يمين الدولة (السلطان محمود بن سبكتكين) الا ان السلطان محمد اختلف معه فنفاه او أخرجه إلى ما وراء النهر فساءت حالته كثيرا .

مات غريباً في بلدة (أورزجند) ببخارى سنة \400 هجرية - 1010 ميلادية .

وفي كتب الأدب كثير من نظمه غير مدوّن. وهو صاحب القصيدة المشهورة المسماة ( عنوان الحكم ) وقيل ( نونية البستي) و التي تعد من روائع الشعرالعربي وهذه هي :


أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

فطالما استعبد الإنسان إحسان

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته
أتطلب الربح فيما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
وإن أساء مسيء فليكن لك في
عروض زلته صفح وغفران
وكن على الدهر معوانا لذى أمل
يرجو نداك فإن الحر معوان
واشدد يديك بحبل الله معتصما
فإنه الركن إن خانتك أركان
من يتق الله يحمد في عواقبه
ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
من استعان بغير الله في طلب
فإن ناصره عجز وخذلان
من كان للخير مناعا فليس له
على الحقيقة إخوان وأخدان
من جاد بالمال مال الناس قاطبة
إليه والمال للإنسان فتان
من سالم الناس يسلم من غوائلهم
وعاش وهو قرير العين جذلان
من كان للعقل سلطان عليه غدا
وما على نفسه للحرص سلطان
من مد طرفا لفرط الجهل نحو هدى
أغضى على الحق يوما وهو خزيان
من عاشر الناس لاقى منهم نصبا
لأن سوسهم بغى وعدوان
ومن يفتش عن الإخوان يقلهم
فجل إخوان هذا العصر خوان
من استشار صروف الدهر قام له
على حقيقة طبع الدهر برهان
من يزرع الشر يحصد في عواقبه
ندامة ولحصد الزرع إبان
من استنام إلى الأشرار نام وفي
قميصه منهم صل وثعبان
كن ريق البشر إن الحر همته
صحيفة وعليها البشر عنوان
ورافق الرفق في كل الأمور فلم
يندم رفيق ولم يذممه إنسان
ولا يغرنك حظ جره خرق
فالخرق هدم ورفق المرء بنيان
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة
فلن يدوم على الإحسان إمكان
فالروض يزدان بالأنوار فاغمة
والحر بالعدل والإحسان يزدان
صن حر وجهك لا تهتك غلالته
فكل حر لحر الوجه صوان
فإن لقيت عدوا فألقه أبدا
والوجه بالبشر والإشراق غضان
دع التكاسل في الخيرات تطلبها
فليس يسعد بالخيرات كسلان
لا ظل للمرء يعرى من تقى ونهى
وإن أظلته أوراق وأفنان
والناس أعوان من والته دولته
وهم عليه إذا عادته أعوان
سحبان من غير مال باقل حصر
و باقل في ثراء المال سحبان
لا تودع السر وشاء يبوح به
فما رعى غنما في الدو سرحان
لا تحسب الناس طبعا واحدا فلهم
غرائز لست تحصيهن ألوان
ما كل ماء كصداء لو ارده
نعم ولا كل نبت فهو سعدان
لا تخدشن بمطل وجه عارفة
فالبر يخدشه مطل وليان
لا تستشر غير ندب حازم يقظ
قد استوى فيه إسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوا
فيها أبروا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيت مقدرة
وكل أمر له حد وميزان
فلا تكن عجلا بالأمر تطلبه
فليس يحمد قبل النضج بحران
كفى من العيش ما قد سد من عوز
ففيه للحر إن حققت غنيان
وذو القناعة راض من معيشته
وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان