بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات ليلى المرّاني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ليلى المرّاني. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 فبراير 2019

مجلة البيت الثقافي العراقي التونسي العدد الأول لسنة 2019 وفاء.../. قصة قصيرة ليلى عبدالواحد المرّاني



مجلة البيت الثقافي العراقي التونسي

العدد الأول لسنة 2019

وفاء.../. قصة قصيرة
 
ليلى عبدالواحد المرّاني





لا تزال عيناها واسعتين بلون العسل الصافي، ونظرة حائرة تجول بهما، تقطر دموعاً وهي تتابع أختها الصغرى، متشنجةً تلملم حاجاتها الفقيرة وتضعها عشوائياً في حقيبة جلدية قديمة، استحال لونها البني الغامق إلى لون التراب.. الكلمات حبيسةً تتزاحم في حنجرتها تريد الانطلاق؛ فلا تجد لها منفذاً، صوتها اختفى إثر جلطات دماغية متعاقبة، كما اختفت ضفيرتاها اللتان قصتهما أختها بعد أن فقدت صوتها، لتعترض.. الضفائر لا تقص إلاّ في حالةٍ واحدة؛ حين يختطف رسول الموت عزيزاً، هذا عرفٌ في قريتها الجنوبية، تربَّت عليه؛ غادرتها على مضض لتلحق بأختها بعد أن تزوجت واستقرَّت في العاصمة.
صوتها المخنوق بكى في أعماقها مكتوماً دون صوت وهي ترى جديلتيها مرميتين على الأرض..
- ستذهبين عند أختك فوزية..
تدمدم الأخت منفعلةً
سقطت دمعتها، وازداد رأسها ارتعاشاً، بعد أن فقدت السيطرة على ضبط إيقاعه إثر ثلاث جلطات.. انفرجت شفتاها عن ابتسامةٍ واهية تقطر حزناً وضياعاً؛ وعاد صوت أختها مزمجراً..
- سيُطلِّقني زوجي بسببك، لم يعد يطيق وجودك معنا..
انتحب صوت حبيس في صدرها.." أنت يا نادية، أنت أختي الصغيرة التي اتخذتها ابنةً لي بعد وفاة والدتنا؛ رفضت كل من تقدم لي، وجعلتك محور حياتي، كنت أقول لك، ستكونين عينيَّ اللتين أرى بهما، وعكازيَ التي أتوكّأ عليه حين تغدر بي السنون.."
تقدّمت نحوها، أحكمت غطاء رأسها، ساعدتها على الوقوف، ساقاها ترتجفان، كادت تسقط..
اقتادتها إلى السيارة حيث ينتظر زوجها متبرّماً..
ساد صمت ثقيل طوال الطريق، تمزّقه بين حين وآخر زفرة عميقة تطلقها وهي تنظر من مقعدها الخلفي إلى رأس أختها، الذي بدا أكبر من السابق، يغطيه شعر رماديٌّ قصير. ألصقت وجهها بزجاج نافذة السيارة المسرعة، وشريط صورٍ أسرع يتلاحق أمامها..لا تزال هي.. هي نادية التي كانت تتفنّن في تسريح شعرها الكستنائي الطويل.. ضفيرتان، ضفيرة واحدة إلى الخلف.. ذيل الحصان في قمّة رأسها، يتراقص يميناً وشمالاً حين تركض؛ ناعمةً كزهرة الإقحوان كانت، صغيرة، باكية تفتش مذعورةً عن أمها.. " وأصبحت أمك يا نادية، بنيت لك في قلبي عشَّاً دافئاً، تنامين فيه مطمئنةً.. كيف انقلبت صبّاراً تغرسين أشواكك في قلبي .."
الطريق بدا أطول من السابق، لا يريد أن ينتهي، والصمت ثقيل يتلاعب بأعصاب ثلاثةٍ، كلّ منهم غارق في عالمه..
" لا تتركيني "، كنت تبكين، وتعلقت بثوبي ترتجفين، وهم يحملون نعش أمنا.. احتضنتك بكل ما أملك من أمومة حرمت منها..
في منعطف، أوقف سيارته، لم يلتفت.. متشنجةً لا تزال، نزلت نادية، أنزلت الحقيبة البائسة، مدَّت يدها إليها، لا يزال وجهها ملتصقاً بزجاج النافذة كأنه أصبح جزءاً منها.. عيناها على وسعهما منفتحتان، تجول بهما دموع حائرة، متسائلة..
عند باب دار قديمة، وقفت الأختان، وضعت نادية الحقيبة على الأرض، ضغطت على جرس الباب بقوة، وانطلقت مسرعةً إلى السيارة دون أن تلتفت..صوت مخنوق يلاحقها.. " لا تتركيني.."

الثلاثاء، 4 ديسمبر 2018

مجلة البيت الثقافي العؤراقي التونسي ... العدد السابع لسنة 2018 ... صرخة قدم.... قصة قصيرة .. بقلم: ليلى المرّاني


مجلة البيت الثقافي العؤراقي التونسي

العدد السابع لسنة 2018


صرخة قدم.... قصة قصيرة
 
بقلم: ليلى المرّاني 





مدينتنا الصغيرة ملقاةٌ على أطراف الحضارة، نسيها التاريخ، وابتلعتها السنون وهي لا تزال غافيةً، مستكينة، تتشابه أيامها وسنوها كبركةٍ راكدة، ليس فيها سوى ضجيج الصغار يتقاذفون الكرة في أزقتها الضيّقة، أو يلاحقون القطط والكلاب السائبة بحجارتهم، وقد يقع كلب مسكين بين أيديهم؛ فيسارعون إلى ربط ذيله بحبل طويل، يعلّقون به علباً معدنيةً فارغة، فتتعالى ضحكاتهم ويتقافزون وهم يطاردون الكلب؛ فتطلق العلب ضجيجاً صاخباً.
تحرّكت مياه بركتنا الراكدة يوماً، حين انشقت الأرض فجأةً وقذفتها بيننا، بشعرها المجعّد المنكوش، وقدميها الحافيتين، تنام في شقوقهما العقارب! كما تقول جدّاتنا، فتضاعف خوفنا منها ومن عقاربها.. أثار ظهورها كالقدر اللعين، لغطاً متواصلاً بين نساء مدينتنا، يتهامسن خلف الأبواب الموصدة: من هي؟ من أين جاءت؟ كيف وصلت إلى مدينتنا المنسيّة؟..
تهمس إحداهن بخوف،
- جاءت من ذلك البستان الذي يسكنه الجنّ والعفاريت..
تنفخ الأخرى بجيب صدرها بهلع: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا تذكري الجنّ والعفاريت، ستخرج لنا..
ويتندّر الرجال ضاحكين.." كان ينقصنا واحدة مثلها، كي تكتمل الصورة.."
- سمعت أن ريحاً عاتية قذفت بها صوبنا..
يضحك رفيقه، ساخراً، - كيف تصدق ذلك؟.. لا.. هي خرجت من باطن الأرض..
يسمعهم الصغار؛ فيرتجفون هلعاً، ويصيح أحدهم بخوف،- أنا رأيتها تسقط من غيمةٍ سوداء مرّت فوقنا..
فيهمهم الكبار بارتياب، وتستمر الحكايات والتكهنات، وتصبح ذات الشعر الأسود الاشعث حديث البيوت، والمقهى، وفرن الخبز.. وحتى في المسجد الصغير بعد انتهاء الصلاة..
الصغار وجدوا فيها صيداًجديداً يقذفونه بما تطاله أيديهم من حجارة الشارع، تزأر عليهم كقطّ متوحش، تبصق عليهم ذُباباً أخضرَ يتطاير في الهواء.. يتراجعون، ثم يعاودون لعبتهم من جديد بلذّةٍ وحماس لا يخلو من خوفٍ وترقّب.. " قدم أم كفشةِ السودة "، هتاف بدأوا يطلقونه عليها، لا احد يعرف من اختار لها هذا الاسم، هل كان حقاً اسمها، أم كونها تقطع شوارع المدينة حافيةً ليل نهار دون توقّف، تبحث عن شيء، ربما حجم قدميها الكبير أوحى لبعضهم هذا الأسم..
تكتفي بقطعة خبزٍ أو جزرة يلقيها أحدهم لها حين تجوب سوق المدينة ببطنٍ خاوية، تئنّ جوعاً.. ليلاً تتوسّد دكّة الجامع الصغير وتغطّ في نوم قلق، تقطعه رفسة أحد السكارى، أو قرصة حادة لفخذها العاري .. شيخ الجامع، الحاج مطر، يسمح لها أحياناً أن تنام في المدخل، على أن لا تتعدّاه، وقبل أن تبعث الشمس أوّل خيطٍ لها، يفتح الباب فتركض كالملسوعة وتبدأ جولتها اليوميّة، تلاحقها بعد حين
حجارة الصغار وصياحهم ضاحكين،" قدم أم كفشةِ السودة "
همست إحداهنّ لصاحبتها: ألا تلاحظين أن ثوبها ضاق على بطنها الذي أخذ يكبر..؟
- أستغفر الله العظيم..
- انظري جيّداً، لم تعد قادرة على الركض..
- هههه، نعم.. أنت على حق.. كأنها حا.. أستغفر الله..
تضحكان بسخرية تشي بهواجسهما..
في المقهى، بين حين وحين يتساءل بعضهم: لماذا يأويها الحاج مطر في الجامع؟
فيغمز الآخر بطرف عينه: رأفةً بها.. رجلٌ صالح..
ويكتمان ضحكةً متشكّكة..
اختفت ( قدم ) فجأةً، كما ظهرت، وأخذ سؤال تلوكه الأفواه بريبة.. أين ذهبت.. هل ماتت.. هل استرجعها الجنيّ الذي رمى بها في مدينتنا..
وفي بستانٍ مهجور، عافه الكبار والصغار حين سرت شائعة أنّ الجنّ تسكنه، وتحت نخلةٍ عجفاء، لم يبقَ منها غير جذعها الهرم؛ تكوّرت ( قدم )، تموء بألمٍ كقطّةٍ جريحة.. تصرخ، تدفع بكلِّ ما تملك من قوّة.. تكزّ على أسنانها حتى كادت تنخلع.. سالت الدماء من يديها حين أشبعتهما عضّاً وتمزيقاً، وبعد صرخةٍ مزّقت السكون، تردد بكاء طفلٍ وليد، بنت بحجم قطةٍ للتوّ وُلدتْ .. تحتضنها، تقطع جزءاً من ثوبها الممزّق لتلفّها..
خلسةً، صباحاً، تتسلّل إلى المدينة التي لا تزال تغطّ في نومٍ عميق.. البرد سياط تجلد ظهرها، تشدّ صغيرتها إلى صدرها الخاوي، تطبع قبلةً على جبينها وتضعها على عتبة دار الثريّ العاقر وتهرب، تسابقها دموعها.. تختفي خلف شجرة بعيدة، تراقب، تتنفّس بعمق في محاولةٍ لخنق صرخةٍ كادت تفلت من فمها، حين رأت الباب يُفتح، يطلّ رجل عجوز، أشيب، ينظر إلى المولودة الباكية باستغراب.. تفتّش نظراته المتسائلة في جميع الاتجاهات، يدخل ثانيةً، يعود ومعه امرأة بدينة.. ترفع الطفلة، تنظر بحنان في وجهها، تخفق في قلبها لوعة أمومةٍ حرمت منها، تضمُّها إلى صدرها..
وتهرع ( قدم ) إلى البستان المهجور، ترتمي على الأرض، تحفن التراب وتقذفه على رأسها، وفِي الهواء تبعثره صرخاتٍ موجعة.. تطلق أصواتاً مبهمة، تنكفيء على وجهها.. تئنّ وتموء، كما قطّة اختطف صغارها..
رغم استمرار مطاردتها، والحجارة اللئيمة تستهدف قدميها كي تخرج منها العقارب! تأتي يوميّاً، تقف خلف سياج حديقة منزل الثريّ، تتلاحق أنفاسها، وتعود خائبةً إلى نخلتها العجفاء، حتى رأتها يوماً، بعد شهور.. اضطربت، خفق قلبها بعنف حتى كاد الصوت يصل مسامع المرأة البدينة، تلازم الطفلة كظلّها.. تسلّقت السياج الواطئ، مندفعةً بكلِّ جوع وحرمان أمومتها، احتضنت الصغيرة..صرخةّ مدوّية أطلقتها البدينة، هرع الخادم العجوز بعصاه..لم تشعر بدمائها حارّة تنزف من رأسها.. حملت جرحها النازف، واختفت.. أنينها ليلاً لا تزال نخيل البستان المهجور تردّده بعمق مخيف.. ينتشر في أزقّة المدينة وفوق سطوحها؛ فيهرع الصغار مذعورين إلى بيوتهم.. وتتمتم النساء، مرتجفاتٍ.. أعوذ بالله من الشيطان الرجي
م..

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018

العدد السادس لسنة 2018 فرحٌ موؤُود... قصَّة قصيرة ليلى عبد الواحد المُرَّاني.


العدد السادس لسنة 2018

فرحٌ موؤُود... قصَّة قصيرة
 

ليلى عبد الواحد المُرَّاني.


 
 

اشتدت حرارة الجو لدرجة لا تطاق، الناس في الشوارع يلهثون وسياط الشمس تطاردهم دون رحمة، حتى السيارات بدت هي الأخرى تلهث، تكاد تنفجر.. المُذيع يعلن على شاشة التلفاز أنها موجة حرّ غير مسبوقة تمرّ بها البلاد، منذ أكثر من ثلاثة عقود... تعلو لعنات السخط على قدرٍ يأبى إلاّ أن يلاحقهم، في مستشفىً للولادة في بغداد، تزاحمت أصوات نساءٍ يشتمنَ اليوم الذي تزوّجنَ فيه، وأخرى تستجدي الرحمة والعون من ربّ العالمين ومن الأولياء الصالحين، امتزج العرق بالدموع، وبمياهٍ ساخنة تنهمر من أفخاذ نساءٍ هربت الدماء من وجوههن، هناك في إحدى الزوايا مسكينة تعلوها زرقة آلام مُحتقنة... أجساد مُنهكة اتخذت من الممرات سكّة ذهابٍ وإياب، علّ الطلق يتسارع والجنين الذي يأبى أن يغادر دفء رحم أمّه والأمان، يرأف بحالها،
وحدها هي تتكوّر على السرير الأبيض كأرنب مذعور، عيناها تنزفان ألماً مكتوماً وخوفاً من المجهول الآتي، وهو متحفِّز قلِق، يجلس أمامها، يستقرئ قادماً مُبهماً يُريده ذكراً؛ فقد أنجبت له ثلاث بنات، ولن تكون الرابعة، وإلاّ...
يفتل شاربيه مُحذّراً؛ فيتضاعف خوفها، اشتدّ بها الطلق، أخذت تقضم أظافرها حتى سال الدم قانياً من أطراف أصابعها، يمتقع وجهها، تكتم صرخةً كادت تفلت من فمها، حين صدتها نظرة غاضبة صوبَّها نحوها، " تحمّلي، هذه ليست أول ولادة لك.."، رصاصاً أطلق كلماته المُهدّدة؛ تطلّ ملاك الرحمة بثوبها الأبيض، توزّع نظراتها بينهما، مستفهمةً:
- لماذا لا تغادرين الفراش؟ هيّا انهضي، تمشي قليلاً.. هواء الغرفة ثقيل..
- دعيها، هي متعبة لا تستطيع الوقوف..
- سأساعدها..
وقبل أن تتوجه إليها، صوّب نحوها نظرةً مُحذّرة كالسيف القاطع، ابتلعت المُمرضة كلماتها وهرولت نحو الباب، تلعن... ناح صوت مُرتجف في صدرها وهي تقبض بأسنانها على الشرشف بقوّة حتى مزَّقته، " يا رب، ليكن ذكراً، حتى لو كان الثمن حياتي.. من أجل بناتي الثلاث، يا رب.."
وفِي صدره هدر صوت مُهدِّداً، ارتجف له شارباه الكثّان،" لن تري وجهي، أقسم بكلِّ الأنبياء والرسل لو جاءت بنت رابعة.. سأتركك هنا تتعفنين، أنت وابنتك.."
أصوات الاستغاثة والوجع أخذت تعلو في الممرات والغرف، أقدام تروح وتأتي، وصرخة مولود جديد يعلن مجيئه للحياة؛ فتعلو ابتسامات واهنة تلك الوجوه المتعبة..
اشتدّ بها الطلق، جحظت عيناها، عضّت على يدها محاولة كتم صرخة ألمٍ تمزِّق أحشاءها.. تهالكت على نفسها، وقفت وسائل شفاف يغرق ساقيها، ركض يستدعي الممرضة، الوقت يمضي بطيئاً، صراخها يصمّ أذنيه؛ فيلعنها..
قلقه وتوتره يزدادان عنفاً، يمسح عرقاً تصبب من جبهته، يفتل شاربيه، ويبصق.." يارب ولد.. أريده ذكراً يحمل اسمي.."
في القرية هناك، حيث أزيز الرصاص لغةٌ معبّرة عن الأحزان والأفراح، تنتظر النساء، وينتظر الرجال عميد قريتهم يأتي حاملاً ابنه، ويتراكض الصغار يتدافعون فرحين، يلتقطون الحلوى تنثرها النساء على الوليد السعيد.." ماذا أسميه؟ أسعد، حليم.. أمجد، ياسر.. لا ، لا، خزعل، نعم خزعل على اسم جدّه.. أسم كلّه رجولة.."
يتيه بأحلامه، يوقظه صوت الممرضة تستدعيه..
- مبارك..
- ولد.. أليس كذلك؟
- بنت، مثل القمر..
دارت الأرض به، كاد يسقط، تفجّر رأسه دماً وتهدّلت كتفاه.. وقبل أن يكرّر السؤال، اخترق طابور النساء المتوجعات، كالبرق راكضاً إلى الشارع... ضاع في الزحام.

الأربعاء، 27 يونيو 2018

العدد الرابع لسنة 2018 صرخة قدم.... قصة قصيرة بقلم: ليلى المرّاني


العدد الرابع لسنة 2018

صرخة قدم.... قصة قصيرة
 
بقلم: ليلى المرّاني




مدينتنا الصغيرة ملقاةٌ على أطراف الحضارة، نسيها التاريخ، وابتلعتها السنون وهي لا تزال غافيةً، مستكينة، تتشابه أيامها وسنوها كبركةٍ راكدة، ليس فيها سوى ضجيج الصغار يتقاذفون الكرة في أزقتها الضيّقة، أو يلاحقون القطط والكلاب السائبة بحجارتهم، وقد يقع كلب مسكين بين أيديهم؛ فيسارعون إلى ربط ذيله بحبل طويل، يعلّقون به علباً معدنيةً فارغة، فتتعالى ضحكاتهم ويتقافزون وهم يطاردون الكلب؛ فتطلق العلب ضجيجاً صاخباً.
تحرّكت مياه بركتنا الراكدة يوماً، حين انشقت الأرض فجأةً وقذفتها بيننا، بشعرها المجعّد المنكوش، وقدميها الحافيتين، تنام في شقوقهما العقارب! كما تقول جدّاتنا، فتضاعف خوفنا منها ومن عقاربها.. أثار ظهورها كالقدر اللعين، لغطاً متواصلاً بين نساء مدينتنا، يتهامسن خلف الأبواب الموصدة: من هي؟ من أين جاءت؟ كيف وصلت إلى مدينتنا المنسيّة؟..
تهمس إحداهن بخوف،
- جاءت من ذلك البستان الذي يسكنه الجنّ والعفاريت..
تنفخ الأخرى بجيب صدرها بهلع: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا تذكري الجنّ والعفاريت، ستخرج لنا..
ويتندّر الرجال ضاحكين.." كان ينقصنا واحدة مثلها، كي تكتمل الصورة.."
- سمعت أن ريحاً عاتية قذفت بها صوبنا..
يضحك رفيقه، ساخراً، - كيف تصدق ذلك؟.. لا.. هي خرجت من باطن الأرض..
يسمعهم الصغار؛ فيرتجفون هلعاً، ويصيح أحدهم بخوف،- أنا رأيتها تسقط من غيمةٍ سوداء مرّت فوقنا..
فيهمهم الكبار بارتياب، وتستمر الحكايات والتكهنات، وتصبح ذات الشعر الأسود، المشعّث حديث البيوت، والمقهى، وفرن الخبز.. وحتى في المسجد الصغير بعد انتهاء الصلاة..
الصغار وجدوا فيها صيداًجديداً يقذفونه بما تطاله أيديهم من حجارة الشارع، تزأر عليهم كقطّ متوحش، تبصق عليهم ذُباباً أخضرَ يتطاير في الهواء.. يتراجعون، ثم يعاودون لعبتهم من جديد بلذّةٍ وحماس لا يخلو من خوفٍ وترقّب.. " قدم أم كفشةِ السودة "، هتاف بدأوا يطلقونه عليها، لا احد يعرف من اختار لها هذا الاسم، هل كان حقاً اسمها، أم كونها تقطع شوارع المدينة حافيةً ليل نهار دون توقّف، تبحث عن شيء، ربما حجم قدميها الكبير أوحى لبعضهم هذا الأسم..
تكتفي بقطعة خبزٍ أو جزرة يلقيها أحدهم لها حين تجوب سوق المدينة ببطنٍ خاوية، تئنّ جوعاً.. ليلاً تتوسّد دكّة الجامع الصغير وتغطّ في نوم قلق، تقطعه رفسة أحد السكارى، أو قرصة حادة لفخذها العاري .. شيخ الجامع، الحاج مطر، يسمح لها أحياناً أن تنام في المدخل، على أن لا تتعدّاه، وقبل أن تبعث الشمس أوّل خيطٍ لها، يفتح الباب فتركض كالملسوعة وتبدأ جولتها اليوميّة، تلاحقها بعد حين
حجارة الصغار وصياحهم ضاحكين،" قدم أم كفشةِ السودة "
همست إحداهنّ لصاحبتها: ألا تلاحظين أن ثوبها ضاق على بطنها الذي أخذ يكبر..؟
- أستغفر الله العظيم..
- انظري جيّداً، لم تعد قادرة على الركض..
- هههه، نعم.. أنت على حق.. كأنها حا.. أستغفر الله..
تضحكان بسخرية تشي بهواجسهما..
في المقهى، بين حين وحين يتساءل بعضهم: لماذا يأويها الحاج مطر في الجامع؟
فيغمز الآخر بطرف عينه: رأفةً بها.. رجلٌ صالح..
ويكتمان ضحكةً متشكّكة..
اختفت ( قدم ) فجأةً، كما ظهرت، وأخذ سؤال تلوكه الأفواه بريبة.. أين ذهبت.. هل ماتت.. هل استرجعها الجنيّ الذي رمى بها في مدينتنا..
وفي بستانٍ مهجور، عافه الكبار والصغار حين سرت شائعة أنّ الجنّ تسكنه، وتحت نخلةٍ عجفاء، لم يبقَ منها غير جذعها الهرم؛ تكوّرت ( قدم )، تموء بألمٍ كقطّةٍ جريحة.. تصرخ، تدفع بكلِّ ما تملك من قوّة.. تكزّ على أسنانها حتى كادت تنخلع.. سالت الدماء من يديها حين أشبعتهما عضّاً وتمزيقاً، وبعد صرخةٍ مزّقت السكون، تردد بكاء طفلٍ وليد، بنت بحجم قطةٍ للتوّ وُلدتْ .. تحتضنها، تقطع جزءاً من ثوبها الممزّق لتلفّها..
خلسةً، صباحاً، تتسلّل إلى المدينة التي لا تزال تغطّ في نومٍ عميق.. البرد سياط تجلد ظهرها، تشدّ صغيرتها إلى صدرها الخاوي، تطبع قبلةً على جبينها وتضعها على عتبة دار الثريّ العاقر وتهرب، تسابقها دموعها.. تختفي خلف شجرة بعيدة، تراقب، تتنفّس بعمق في محاولةٍ لخنق صرخةٍ كادت تفلت من فمها، حين رأت الباب يُفتح، يطلّ رجل عجوز، أشيب، ينظر إلى المولودة الباكية باستغراب.. تفتّش نظراته المتسائلة في جميع الاتجاهات، يدخل ثانيةً، يعود ومعه امرأة بدينة.. ترفع الطفلة، تنظر بحنان في وجهها، تخفق في قلبها لوعة أمومةٍ حرمت منها، تضمُّها إلى صدرها..
وتهرع ( قدم ) إلى البستان المهجور، ترتمي على الأرض، تحفن التراب وتقذفه على رأسها، وفِي الهواء تبعثره صرخاتٍ موجعة.. تطلق أصواتاً مبهمة، تنكفيء على وجهها.. تئنّ وتموء، كما قطّة اختطف صغارها..
رغم استمرار مطاردتها، والحجارة اللئيمة تستهدف قدميها كي تخرج منها العقارب! تأتي يوميّاً، تقف خلف سياج حديقة منزل الثريّ، تتلاحق أنفاسها، وتعود خائبةً إلى نخلتها العجفاء، حتى رأتها يوماً، بعد شهور.. اضطربت، خفق قلبها بعنف حتى كاد الصوت يصل مسامع المرأة البدينة، تلازم الطفلة كظلّها.. تسلّقت السياج الواطئ، مندفعةً بكلِّ جوع وحرمان أمومتها، احتضنت الصغيرة..صرخةّ مدوّية أطلقتها البدينة، هرع الخادم العجوز بعصاه..لم تشعر بدمائها حارّة تنزف من رأسها.. حملت جرحها النازف، واختفت.. أنينها ليلاً لا تزال نخيل البستان المهجور تردّده بعمق مخيف.. ينتشر في أزقّة المدينة وفوق سطوحها؛ فيهرع الصغار مذعورين إلى بيوتهم.. وتتمتم النساء، مرتجفاتٍ.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..