العدد الثاني عشر لسنة 2014
بأقلام أصدقاء البيت
زيتونة ٌ لا شرقية ٌ
قصة قصيرة
بقلم
عبد الجليل العلوي ..تونس
نتبذ مكانا قصيا، في إحدى ساحاتِ المعهدِ الـّذي فيه يُقيم،
وفيه يُدرِّسُ. وهاجت به الذ ّكرى، وطفحت كأسُ
الأشواق والحنين إلى ديار ٍ نائية، عزيزةٍ عليه، فارقها لِتـُعهدَ
إليه، وآخرين من بني وطنه،مهمّة ُالأخذ بأيدي
ولدان، يُرشدونهم سُبُلَ المعارفِ والعلوم ِ. وطأطأ َ الرّأسَ
يُحملقُ في شـُجيْرةِ الزّيتون، وقد طارَ قلبُه شوقا
لرُؤيتها، ولمْسها، واستنشاق ِ رائحةِ أوراقها، وكأنـّه فارقها
سنين طِوالا.
أحسّ برغبة جامحة في أن يُداعبها، وتداعبَه، وتؤانسه
فيؤانسها، وتواسيه، وتسلـّيهِ. وفي أن يُغمض عينيْه
ويفتحهما، فيُلفيها فارعة، كثيفة الأغصان، وارفة الظـّلال.
ورجَا أن يتماهى في التـّربة الـّتي فيها تنبتُ، أو
يستحيلَ نـُسغا يجري في عروقها، ويلتمس، عندها، صفحًا
ومغفرة، لما ارتكبَ من جُرم في حقـّها، فلعلـّها
كانت غير راضيةٍ عن اصطحابه إياها إلى هذه الدّيار
المشرقيةِ. وجَثـَا أمامها. وداعبتْ أناملُ يمناه تربة َ
حوْضها، تـُسوّيه، وترفعُ عنه ما اختلط به من حصى. وهمسَ
في وريْقاتها النـّضِرةِ، قال: - طيْفـُكِ طيفُ كبدي
"ضياء". كان ينوي إنباتكِ هنا إذ عزّ عليه أن أفارقه وليس
معي منه شيءٌ، ذكرى، فأعطانيكِ، وغرستـُكِ في
هذه الدّيار، للصّحبةِ والمؤانسةِ، وليُطردَ عنـّي حضورُكِ شبحَ
الغربة الـّذي لمْ يفارقْ لحظة ً، طيلة حوْل ٍأقام
الوطنُ الحبيبُ، مداهُ، هنا معي، بنسائمه وطيره وبحاره
وجبالِه الشـّامخات، ونخيله وزيتونه وزلال ِمائه وصفاء
سماواته وخصوبة أراضيهِ وسِحر ِأقماره ودفءِ شموسِهِ
وصخبِ مَقاهيه وعتـَهِ مجانينهِ. أقام معي ،
هنا. ورافق الرّوحَ في غلس ِغربتها، وما كنتُ فيه أقيمُ. سأ ُ
وَلـّي وجْهي شطركِ كلَّ صباح ٍ، فأرشفُ إلى
جواركِ، قراحَ الذ ّكرى، وأطفِئ لظى سعير الجوَى وظمَأ َ
النـّوى.
وكان له ذلك طيلة شهر أو بعض شهر. وعاد يوما إلى
المعهد
بعد انقضاء عطلةٍ. وشدّ انتباهه عمّالُ حضيرةِ
أشغال أتوْا على تبليطِ ساحاتِ المعهد أو كادوا. وانطلق
بخطى عجلى، ووجهته ناحية شجيْرةِ الزّيتون.
وتسمّر في مكانهِ، جز ِعًا، هلوعا.
وانحدرت من عينيْه لؤلؤتان خطـّـتـَا على الخدّين مسربَيْ
دِفء أزالَ ما اعترض سبيله من بردِ الشـّتاء. وغادرَ
المكانَ، بخطى ثقيلة، وفي الفم همهمة ُ قول ٍ، لا يتبيّـنه
سامعٌ:
- مُصابي فيكِ جللٌ، وعزائي أن تكون روحُكِ قد سبقتْ إلى الدّيار الحبيبةِ.
ودخل مكتبَ مدير المعهدِ.
- السّلام عليكم.
- وعليكم السّلامُ، أستاذ "يونس".
وألقى ببقية لفافة تبغ قد فنتْ، في مطفأةٍ على مكتب
المدير، وتناولَ أخرى ولم يُشعلها.
- ما الأمرُ، أستاذ؟ لِمَ هذا الوُجوم؟
- عزمتُ على العودةِ إلى الوطن.
- ولِمَ هذا الرّحيلُ المفاجئ؟ ثمّ كيف تـُقدِم على فسخ عقدِ
عمل ٍ، يحلمُ به الكثيرُ، خارج الخليج العربي؟
عفوًا، سوّ ِ وضعَ اللـّفافة، قد ناولتها شفتيْك مقلوبة.
ولمْ يُجب. ومدّ يده يصافحُ السّيد المدير. وودّع. وغادر
المكانَ،
وعلى شفتيْه بقايا أوراق ِتبغ ٍ، وجفافٌ.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق