بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 5 أكتوبر 2014

حركةٌ وسَــط السّكون. الكاتبة نجيبة بوغندة


العدد العاشر لسنة 2014

حركةٌ وسَــط السّكون.

الكاتبة نجيبة بوغندة














حركةٌ وسَــط السّكون.

توارتِ الشّمس في اُحتشام وراء الحجب وغاب معها ضياء النّهار حتّى صار الشّفق وردة كالدّهان وعكس لونه على الجدران.
أخذ اللّيل يتقدّم شيئا فشيئا حتّى اُستولى على الضّياء وأغرق ما حوله في سوادٍ لا تُخفّفه غير الأضواء المنبعثة من الإنارة، وسكب من هدوئه في الأرواح، فهدأت الحركة وأخذ النّاس يختفون من الشّوارع العاجّة بهم في النّهار، وصار له نفَسٌ يتردّد في الصمت الطويل.
أوصدت المحلاّت أبوابها تُخلي له المكان وأغلقت المكاتب شبابيكها أمام عموم النّاس، فوجدت القطط السّائبة طريقا سالكا للتّنقّل بكلّ حرّية بين أزقّة المدينة؛ فتراها تقلّب في الحاويات المنتصبة عند كلّ ركن من الشّارع الممتدّ، ويعلو صوت عراكها بسبب عظيْم أو بقايا رؤوس أسماك ويُدوّي عاليا يمزّق صمتَ الليلِ البهيم فيتردّد بين جنبات البيوت، فيفزع له الرّضّع ممّن لم يأنسوا مثل تلك الأصوات ويحتمون بأحضان أمّهاتهم ينشدون سكونا وسط السّكون.
أقبل عمّال النّظافة يؤنسون اللّيل في وحدته وينعمون بصحبته، فقد ألفوه كما ألفهم... يسكبون في آذانه أسرارهم ويشكون إليه همومهم كمن يُفرغ وفاضه من حمْلٍ ثقيل يُؤرّق نهاره، فالليل صديق وفيّ يقاسمهم أحزانهم ويواسيهم في صمته ولا يفضح أسرارهم:
_انظروا إلى سوادي الحالك وإلى صمتي الدّائم ولكنّي أعلم أنّ بياض الفجر سيُنهيهما عمّا قريب.
_صرنا نحبّ لونك الأسود ونفضّله على بياض النّهار، فهو يلوّن أحزاننا ويُخفيها عن الأعين وهذا ما لا يقدر عليه البياض الكاشف الفاضح، فكثيرا ما عرّانا أمام الخلق.
تهدأ نفوسهم لبعض الوقت فيُقبلون على أعمالهم يدفعون مكانسهم ويجرّون عرباتهم في حركات متواترةٍ؛ وبإقبالهم يتغيّر مشهد المدينة الحالمة في هدأة اللّيل وتصيّر حركتُهم صمتَه قلبا ينبض بالحياة بعد أن اُستسلم الأغلبيّة إلى السّبات.
لا يتوقّف الأمر عند نشاط العمّال بل يمتدّ تدريجيّا بعد الهزيع الأوّل من اللّيل، فتظهر خفافيش اللّيل المتسكّعة… خفافيش لا تعرف لها مسكنا غير جنبات الطّريق وأخرى قسا عليها الزّمن فأرداها يتيمة من الصّحب والأهل، فتراهم يطلّون من الحارات والأزقّة الضّيّقة برؤوس مثقلة بالأحزان وينتشرون في مجموعات كالجراد... ينتشرون زمن السّكون فلا يُقلق راحتهم المتطفّلون على حياتهم البائسة ولا يُرغمهم أحد على تصنّع البسمة ولا يُجبَرون على مناشدة النّاس لُقمةً تسكّن جوعهم ولا درهما يقضي حاجتهم.
ما أجمل المدينة في ذاك الوقت من السّحر... يتوسّط البدر فيه سماء متلألئة بالنّجوم فتزداد وسامة اللّيل رغم الغموض الذي يلفّه وتتفاقم شاعريّته ويتحوّل صمته إلى ميزة ساحرة تنطق شعرا وتهمس حبّا...
ما أروع لحظاته ونسائمه المنعشة تحمل عبق رياحين الأجنّة المنتشرة وشذى الفلّ والياسمين كلّما دغدغتها تلك النّسائم المنعشة، فيضوع عطرها في كلّ ركن فتنتشي له النّفوس...
لحظات تهدأ فيها حركة الأقدام لكن لا تهدأ فيه حركة الأرواح الحالمة فتذوب فيها عشقا... عشق العبد لخالقه... عشق السّكون والسّكينة... عشق الرّوح للرّوح في صمتها... عشق راحةِ الذِّكْر وقت السّحَر...
تمرّ السّاعات كأنّها اللّحظات، ويستعدّ اللّيل للرّحيل؛ فيلملم أنفاسَه المنهكة بأجفان أثقلها النّوم، فتتبدّد ظلمته شيئا فشيئا ويختفي تدريجيّا كأنّه يتراجع القهقرة، فيعمّ الضّياء المدينةَ المتثائبةَ في كسل، وينبلج الصّبح الضّاحك وقد اُفترّ ثغره عن بسمة ترسمها أكمام الورد وتصحبها زقزقات الطّير وتدبّ الحياة في شرايين تلك المدينة ويعود لها صخبها على أصوات الباعة وصرير أبواب المحلاّت التي تستعيد النّشاط من جديد...
ما أجمل هدوء تسبقه حركة تودّع يوما بأنفاس مرهقة وخطى متثاقلة، وأخرى مقبلة عليه بروح متجدّدة يسكنها الأمل والتّفاؤل





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق