العدد العاشر لسنة 2014
إستحالة التمني بإستعطاف المُحال
قصيدة – أنتَ السماء ُ – للشاعر السوداني – إدريس جمَّاع .
بقلم :عدنان أبو أندلس
في الخيال كل شيءٍ ممكن ، يخلق مستحيلاً آنياً خلال اللحظة فقط ، ينتج عنها رؤى حلمية وتمنيات يستهل بها بحرف – لو - لكن حالما تنتهي الغفلة – الحلم – التمني ، بعدها نرى ذلك لايمكن تحقيقهُ البتة . فالشاعر – جمَّاع – عانى وقاسى الأمرين من حياة لاتطاق ، بدأها بتجربة حب خائبة كانت من إفرازاتها الضياع والإحباط والتشرد ، فكانت صورة المعشوقة تتراءى لهُ بكل وجهٍ جميل . أنه قاس الأرض بخطواتهِ المتسارعة شِبراً فشبر إلى لاهدف يرتجى تحقيقهُ ،ضجت الأرض بممشاهُ حتى عرجت وحلقت نظراتهُ إلى السماء كي تعوضهُ عن جفاء نما في وجدانهِ . أن قصيدة ( أنتَ السماءُ ) أو التي تحمل تسمية ثانية بمداليلها الراسخة بـ (غيرة ) فيها من إرهاصات جمالية باذخة بالوصف والتشبيه ما يخطر على ذي بال ،إلا للمتمعن الحاذق .أن الإحساس بالخيبة تجاه الأدنى جعلتهُ يحدّقُ في الأعلى كخلاص آني ، لعلَ نجاة روحاً لا أكثر ، هذا المتخيل وفق تحليق بجناح الأمنيات حتى ولو خائبة ، فكانت القصيدة - أنتَ السماء ُ - بحق توظيف مركز كعروج إلى السمو والرفعة ، تستحق بجدارة ميزة أساسية في علو رؤاها" مما جعلتهُ أول شاعر تخيل بأن السماء محبوبتهِ الخاصة " فهذه الروعة والرائعة تستحق أن تجذب نظرة فاحصة رغم حراسة الملائكة الشداد ، علواً ، وقوامة رجل مفتول العظلات بجانبها يذود عنها :
أعلى الجمال تغار منا
ماذا عليك إذا نظرنا
هي نظرةً تنسى الوقارَ
وتسعدُ الروحَ المعنىّ
الغيرة – لغةً – ماهي إلا الحمية والأنفة تجاه الآخر المعني – إصطلاحاً – كراهة المرء لاشتراك الغير في حقهِ ، من هنا ينبري عتب من الشاعر لمالك الجمال – بمسكنة تأوهٍ وإستعطاف – أعلى الجمال تغار مني !.. – تحسدني عليهِ ياهذا ،هو حق مشاعٌ لنا بالتحديق والتمعن والإستذواق ، فما يعنيك إذا نظرنا وتفحصنا مواطن الجمال وما يحلو .
هي نظرة فقط لاتأتي بشر أبداً ،بل تجلب الخير بنعمة الشكر لصانع الجمال ،نعم واحدة تكفي بالإبحار في شاطئ جمالي ، حلمٌ بإحساس إنساني لتأمل الحب ، عاش المبتلى كي يموت . ذلك الضياع الذي أخذ من ضريبة البقاء مملوءٌ – متخمٌ بالأحزان ومجنون بالحب ، أنستهُ الوقار ففتح صدرهِ لتأنيب قاسي ، لكنهُ أسعد روحهِ بمعاناة ملذة "هام على وجههِ ودون أن يحددّ جهةٍ يسير إليها " تتراءى خطواتهِ الشاردة والتائهة في جهات عدة لاقرار لها ،" هو من وهب حياتهُ للحب ،أودع بها كل ما يملك ، فأخذ منهُ كل مايملك " صفرت حياتهُ بمنحنى الجنون ،ناسفاً إعتبارات حياتية كالوقار ، الشخصية، _ هذه إفرازات الإحباط التي لازمتهُ طيلة حياتهِ :
دنياي أنتَ وفرحتي ّ
ومنى الفؤادِ إذا تَمنىّ
أنتَ السماءُ بدتْ لنا
وإستعصمتْ بالبعدِ عنا
بنظرة واحدة غار في الأعماق يتحسس الفرصة التي تلجُ بصدرهِ، أمنية لا أكثر من ذلك ، سوى أنها مستحيلة التطبيق مع الواقع الحسي ، غير أن إستحالة الأمنية بالحب ، حيث وصف المحبوبة الشبيهه بالسماء ،فهذا يعني الوصول إليها مستحيل ، عرج بها إلى السماء كفكرة راسخة ، ظهرت – تجلت –فكان الاختفاء بستار التعبير الذكوري – أنتَ – قد تسعفهُ من البوح . أن الاستعصام المنوه عنهُ – المنع – بالبعيد ، قد يتفادى من خشونة بالرد والتجريح واللوم . هذا البيت من أجمل ما قيل آنذاك في الشعر العربي الحديث ، وقد نُقل عنهُ وفق الصيغ التالية : " قبل سنواتٍ خلتْ، سُئلت الشاعرة – نازك الملائكة – عن أجمل بيت في الشعر العربي الحديث ، فأجابت : أنتَ السماءُ ......" كذلك الشاعر غازي القصيبي أدلى بدلوهِ في إعطاء الروح الحية لسمو منزلة هذا البيت، ورغم تعدد الروايات يقال إن عملاق الأدب العربي الراحل رحمة الله عليه- العقاد - سمع هذه الأبيات فأدهشته وراح يسأل عن قائلها ولما قيل له إنها لشاعر سوداني مجنون بالجمال إسمه إدريس جماع قال العقاد ما معناه إنه (حقاً مجنون بالجمال فهذا الكلام لا يقوله عاقل ):،
هلا رحمتَ متيماً
عصفت به الأشواق وهنا
وفت بهِ الذكرى فطاف
مع الدجى مغنى فمغنى
هزتهُ منك محاسن
غنى بها لمّا تغنَّى
تدرج النص بدءاً – بعتب _ أعلى الجمال تفارقنا ، ثم تواصل بأُمنية – ونسى الفؤاد إذا تمنى –وأخيراً بـ إستعطاف وترجي – هلا رحمتِ متيماً ؟– ذلك الوله قادهُ إلى خذلان وهامشية حياتية لم تأويهِ إلا الأرصفة التعبى ، هكذا كانت استقراءات القصيدة والرمز والتشخيص ، دون سردها بجرأة مجنون غير عابه بما يتساءل من جراء ذلك ، فالوجه الجميل هو من قادهُ إلى ارتطامات شفعت له ذائقته بذلك . أن الصورة البلاغية تمحورت بمخاطبة الذكر كتوجيه للأُنثى – مثل – أنتَ قمر ياجميل !... أنتَ السماءُ بدتْ !...تفارقنا ماذا عليكِ – نعم كإبعاد شبهه أو زيادة في التركيز – إعجاب – هذا العصف ترنم لذكرى تتابعية من هزة المحاسن التي حعلتهُ هائم في الطرقات ، من خلال تتبع الشعراء المتمردين يتضح بأن أكثرهم أحبوا وأخفقوا – فكانوا عقلاء في الأدب – مجانين في الحياة ،توسدوا المتاهة ، كما هو شاعرنا المتيم بحب الناس والحياة والعالم .
كركوك -1-10- 2014 .


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق