العدد الخامس عشر لسنة 2014
قصائد لكبار الشعراء
المومس العمياء
بدر شاكر السيّاب
الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينه
| |
والعابرون، إلى القرارة... مثل أغنية حزينه.
| |
وتفتحت كأزاهر الدفلي، مصابيح الطريق،
| |
كعيون ""ميدوزا""، تحجر كل قلب في الضغينه،
| |
وكأنها نذر تبشر أهل ""بابل"" بالحريق
| |
من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف
| |
من أي وجر للذئاب؟
| |
من أي عش في المقابر دف أسفع كالغراب؟
| |
""قابيل"" أخف دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
| |
وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساء
| |
ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء
| |
عمياء كالخفاش في وضح النهار، هي المدينة،
| |
والليل زاد لها عماها.
| |
والعابرون:
| |
الأضلع المتقوّسات على المخاوف والظنون،
| |
والأعين التعبى تفتش عن خيال في سواها
| |
وتعد آنية تلألأ في حوانيت الخمور:
| |
موتى تخاف من النشور
| |
قالوا سنهرب، ثم لاذوا بالقبور من القبور!
| |
أحفاد ""أوديب"" الضرير ووارثوه المبصورن.
| |
جوكست أرملة كأمس، وباب ""طيبة"" ما يزال
| |
يلقي ""أبو الهول"" الرهيب عليه، من رعب ظلال
| |
والموت يلهث في سؤال
| |
باق كما كان السؤال، ومات معناه القديم
| |
من طول ما اهترأ الجواب على الشفاه.
| |
وما الجواب؟
| |
""أنا"" قال بعض العابرين...
| |
وانسلّت الأضواء من باب تثاءب كالجحيم
| |
يبحثن في النيران عن قطرات ماء... عن رشاش.
| |
لا تنقلن خطاك فالمبغى ""علائي"" الأديم:
| |
أبناؤك الصرعى تراب تحت نعلك مستباح،
| |
يتضاحكون ويعولون.
| |
أو يهمسون بما جناه أب يبرّؤه الصباح
| |
مما جناه، ويتبعون صدى خطاك إلى السكون
| |
الحارس المكدود يعبر متعبات،
| |
النون في أحداقهن يرف كالطير السجين،
| |
وعلى الشفاه أو الجبين
| |
تترنح البسمات والأصباغ ثكلى، باكيات،
| |
متعثرات بالعيون وبالخطى والقهقهات،
| |
أوصال جندي قتيل كللوها بالزهور،
| |
وكأنها درج إلى الشهوات، تزحمه الثغور
| |
حتى تهدم أو يكاد. سوى بقايا من صخور.
| |
جيف تستّر بالطلاء، يكاد ينكر من رآها
| |
أن الطفولة فجّرتها ذات يوم بالضياء
| |
كالجدول الثرثار - أو أن الصباح رأى خطاها
| |
في غير هذا الغار تضحك للنسائم والسماء،
| |
ويكاد ينكر أن شقا لاح من خلل الطلاء
| |
قد كان - حتى قبل أعوام من الدم والخطيئة -
| |
ثغرا يكركر، أو يثرثر بالأقاصيص البريئه
| |
لأب يعود بما استطاع من الهدايا في المساء:
| |
لأب يقبل وجه طفلته الندي أو الجبين
| |
أو ساعدين كفرختين من الحمائم في النقاء.
| |
ما كان يعلم أن ألف فم كبئر دون ماء
| |
ستمص من ذاك المحيا كل ماء للحياء
| |
حتى يجف على العظام - وأن عارا كالوباء
| |
يصم الجباه فليس تغسل منه إلا بالدماء
| |
سيحل من ذاك الجبين به ويلحق بالبنين -
| |
والساعدين الأبيضين، كما تنور في السهول
| |
تفاحة عذراء، سوف يطوقان مع السنين
| |
كالحيتين، خصور آلاف الرجال المتعبين
| |
الخارجين خروج آدم، من نعيم في الحقول
| |
تفاحة الدم والرغيف وجرعتان من الكحول
| |
والحية الرقطاء ظل من سياط الظالمين
| |
أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباح
| |
دفء الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباح
| |
ودواء ما تلقاه من سأم وذل واكتداح
| |
المال، شيطان المدينه
| |
إبر تسل بها خيوط من وشائع في الحنايا
| |
وتظل تنسج، بينهن وبين حشد العابرين،
| |
شيئا كبيت العنكبوت يخضه الحقد الدفين:
| |
حقد سيعصف بالرجال
| |
والأخريات، النائمات هناك في كنف الرجال
| |
والساهرات على المهود وفي بيوت الأقربين
| |
حول الصلاء بلا اطراح للثياب ولا اغتسال
| |
في الزمهرير، ودون عد لليالى والسنين!
| |
ويمر عملاق يبيع الطير، معطفه الطويل
| |
حيران تصطفق الرياح بجانبيه، وقبضتاه
| |
تتراوحان: فللرداء يد وللعبء الثقيل
| |
يد، وأعناق الطيور مرنحات من خطاه
| |
تدمي كأثداء العجائز يوم قطعها الغزاه
| |
خطواته العجلي، وصرخته الطويلة ""يا طيور
| |
هذي الطيور، فمن يقول تعال...""
| |
أفزعها صداه
| |
وتحسسته كأن باصرة تهم ولا تدور
| |
في الراحتين وفي الأنامل وهي تعثر بالطيور،
| |
وتوسلته: ""فدى لعينك - خلني. بيدي أراها"".
| |
ويكاد يهتك ما يغلف ناظريها من عماها
| |
قلب تحرق في المحاجر واشرأب يريد نور!
| |
وتمس أجنحة مرقطة فتنشرها يداها،
| |
وتظل تذكر - وهي تمسحهن - أجنحة سواها
| |
كانت تراها وهي تخفق... ملء عينيها تراها:
| |
سرب من البط المهاجر، يستحث إلى الجنوب
| |
أعناقه الجذلى... تكاد تزيد من صمت الغروب
| |
صيحاته المتقطعات، وتضمحل على السهوب
| |
بين الضباب، ويهمس البريد بالرجع الكئيب
| |
ويرج وشوشة السكون
| |
طلق... فيصمت كل شيء... ثم يلغط في جنون.
| |
هي بطة فلم انتفضت؟ وما عساها أن تكون؟
| |
ولعل صائدها أبوك، فإن يكن فستشبعون.
| |
وتخف راكضة حيال النهر كي تلقى أباها:
| |
هو خلف ذاك التل يحصد. سوف يغضب إن رآها.
| |
مر النهار ولم تعنه... وليس من عون سواها
| |
وتظل ترقى التل وهي تكاد تكفر من أساها.
| |
يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد؟
| |
لا تمهليها فالعذاب بأن تمري في اتئاد.
| |
قصي عليها كيف مات وقد تضرّج بالدماء
| |
هو والسنابل والمساء -
| |
وعيون فلاحين ترتجف المذلّة في كواها
| |
والغمغمات: ""رآه يسرق""... ""واختلاجات الشفاه
| |
يخزين ميتها، فتصرخ يا إلهي، يا إلهي
| |
لو أن غير ""الشيخ""، وانكفأت تشد على القتيل
| |
شفتين تنتقمان منه أسى وحبا والتياعا
| |
وكأن وسوسة السنابل والجداول والنخيل
| |
أصداء موتى يهمسون رآه يسرق في الحقول
| |
حيث البيادر تفصد الموتى فتزداد اتساعا
| |
وتحس بالدم وهو ينزف من مكان في عماها
| |
كالماء من خشب السفينة، والصديد من القبور،
| |
وبأدمع من مقلتيها كالنمال على الصخور
| |
أو مثل حبات الرمال مبعثرات في عماها
| |
يهوين منه إلى قرارة قلبها آها فآها.
| |
ومن الملوم وتلك أقدار كتبن على الجبين؟
| |
حتم عليها أن تعيش بعرضها، وعلى سواها
| |
من هؤلاء البائسات وشاء رب العالمين
| |
ألا يكون سوى أبيها - بين آلاف - أباها
| |
وقضى عليه بأن يجوع
| |
والقمح ينضج في الحقول من الصباح إلى المساء
| |
وبأن يلص فيقتلوه... (وتشرأب إلى السماء
| |
كالمستغيثة وهي تبكي في الظلام بلا دموع)
| |
والله - عز الله - شاء
| |
أن تقذف المدن البعيدة والبحار إلى العراق
| |
آلاف آلاف الجنود ليستبيحوا، في زقاق
| |
دون الأزقة أجمعين
| |
ذاك اسم جارتها الجديد، فليتها كانت تراها
| |
هل تستحق اسما كهذا: ياسمين وياسمين؟
| |
يا ليت حمالا تزوجها يعود مع المساء
| |
لكن بائسة سواها حدثتها منذ حين
| |
عن بيتها وعن ابنتيها، وهي تشهق بالبكاء
| |
كالغيمة السوداء تنذر بالمجاعة والرزايا،
| |
أزراره المتألقات على مغالق كل باب
| |
مقل الذئاب الجائعات ترود غابا بعد غاب
| |
وخطاه مطرقة تسمر، في الظلام، على البغايا
| |
أبوابهن، إلى الصباح - فلا تجاهر بالخطايا
| |
ويظل يخفرهن من شبع وينثر في الرياح
| |
أغنية تصف السنابل والأزاهر والصبايا،
| |
وتظل تنتظر الصباح وساعديه مع الصباح
| |
تصغى - وتحتضن ابنتيها في الظلام - إلى النباح
| |
وإلى الريح تئن كالموتى وتعول كالسبايا
| |
وتجمع الأشباح من حفر الخرائب والكهوف
| |
ومن المقابر والصحاري بالمئات وبالألوف..
| |
فتقف من فزع وتحجب مقلتيها بالغطاء،
| |
ويعود والغبش الحزين يرش بالطل المضاء
| |
سعف النخيل... يعود من سهر يئن ومن عياء
| |
- كالغيمة اعتصرت قواها في القفار، وترتجيها
| |
عبر التلال قوي تجوع - لكي ينام إلى المساء:
| |
عيش أشقّ من المنيّة، وانتصار كالفناء
| |
وطوى يعب من الدماء وسمّ أفعى في الدماء
| |
وعيون زان يشتهيها، كالجحيم يشعّ فيها
| |
سخر وشوق واحتقار، لاحقتها كالوباء
| |
والمال يهمس أشتريك وأشتريك فيشتريها
| |
يا ليتها إذن انتهى أجل بها فطوى أساها!
| |
لو أستطيع قتلت نفسي.. همسة خنقت صداها
| |
أخرى توسوس: والجحيم؟ أتبصرين على لظاها؟
| |
وإذا اكفهر وضاق لحدك، ثم ضاق، إلى القرار
| |
حتى تفجر من أصابعك الحليب رشاش نار
| |
وتساءل المكان فيم قتلت نفسك يا أثيمه؟
| |
وتخطفاك إلى السعير تكفرين عن الجريمه.
| |
أفتصرخين أبي فينفض راحتيه من الغبار
| |
ويخف نحوك وهو يهتف قد أتيتك يا سليمه؟
| |
حتى اسمها فقدته واستترت بآخر مستعار
| |
هي - منذ أن عميت - ""صباح""...
| |
فأي سخرية مريره!
| |
أين الصباح من الظلام تعيش فيه بلا نهار
| |
وبلا كواكب أو شموع أو كوى وبدون نار؟
| |
أو بعد ذلك ترهبين لقاء ربك أو سعيره؟
| |
القبر أهون من دجاك دجى وأرفق، يا ضريره
| |
يا مستباحة كالفريسة في عراء يا أسيره
| |
تتلفتين إلى الدروب ولا سبيل إلى الفرار؟
| |
وتحس بالأسف الكظيم لنفسها: لم تستباح؟
| |
ألهر نام على الأريكة قربها... لم تستباح؟
| |
شبعان أغفى، وهي جائعة تلم من الرياح
| |
أصداء قهقهة السكارى في الأزقة، والنباح
| |
وتعد وقع خطى هنا وهناك: ها هو
| |
هو ذا يجيء - وتشرئبّ، وكاد يلمس ... ثم راح
| |
وتدقّ في أحد المنازل ساعة... لم تستباح؟
| |
الوقت آذن بانتهاء والزبائن يرحلون.
| |
كالدرب تذرعه القوافل والكلاب إلى الصباح؟
| |
الجوع ينخر في حشاها، والسكارى يرحلون،
| |
مروا عليها في المساء وفي العشية ينسجون
| |
حلما لها هي والمنون:
| |
عصبات مهجتها سداه وكل عوق في العيون،
| |
والآن عادوا ينقضون -
| |
خيطا فخيطا من قرارة قلبها ومن الجراح -
| |
ما ليس بالحلم الذي نسجوا ما لا يدركون ...
| |
شيئا هو الحلم الذي نسجوا وما لا يعرفون،
| |
هو منه أكثر: كالحفيف من الخمائل والرياح،
| |
والشعر من وزن وقافية ومعنى، والصباح -
| |
من شمسه الوضاء... وانصرفواسكارى يضحكون!
| |
ستعيش للثأر الرهيب
| |
والداء في دمها وفي فمها. ستنفث من رداها
| |
في كل عرق من عروق رجالها شبحا من الدم واللــهيب
| |
شبحا تخطف مقلتيها أمس، من رجل أتاها
| |
سترده هي للرجال، بأنهم قتلوا أباها
| |
وتلقفوها يعبثون بها وما رحموا صباها،
| |
لم يبتغوها للزواج لأنها امرأة فقيره،
| |
واستدرجوها بالوعود لأنها كانت غريره،
| |
وتهامس المتقولون فثار أبناء العشيره
| |
متعطشين - على المفارق والدروب - إلى دماها.
| |
وكأن موجة حقدها ورؤى أساها.
| |
كانت تقرب من بصيرة لبها صورا علاها
| |
صدأ المدينة وهي ترقد في القرارة من عماها:
| |
كل الرجال؟ وأهل قريتها؟ أليسوا طيبين؟
| |
كانوا جياعا - مثلها هي أو أبيها - بائسين،
| |
هم مثلها - وهم الرجال - ومثل آلاف البغايا
| |
بالخبز والأطمار يؤتجرون، والجسد المهين
| |
هو كل ما يتملكون، هم الخطاة بلا خطايا
| |
ليس الذين تغصبوها من سلالة هؤلاء:
| |
كانوا مقطبة الجباه من الصخور
| |
ثمتص من فزع الضحايا زهوها ومن الدماء
| |
متطلعين إلى البرايا كالصواعق من علاء!
| |
وتحس، في دمها، كآبة كل أمطار الشتاء
| |
من خفق أقدام السكارى، كالأسير وراء سور
| |
يصغي إلى قرع الطبول يموت في الشفق المضاء.
| |
هي والبغايا خلف سور، والسكارى خلف سور،
| |
دميت أصابعهن: تحفر والحجارة لا تلين،
| |
والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين:
| |
وطلول مقبرة تضم رفات ""هابيل"" الجنين!
| |
سور كهذان حدثوها عنه في قصص الطفوله:
| |
""يأجوج"" يغرز فيه، من حنق أظافره الطويله
| |
ويعض جندله الأصم، وكف ""مأجوج"" الثقيله
| |
تهوي، كأعنف ما تكون على جلامده الضخام.
| |
والسور باق لا يثل... وسوف يبقي ألف عام،
| |
الطفل شاب وسورها هي ما يزال كما رآه
| |
من قبل يأجوج البرايا توأم هو للسعير!
| |
لص الحجارة من منازل في السهول وفي الجبال
| |
يتواثب الأطفال في غرفاتها ويكركرون...
| |
والأمهات يلدن والآباء للغد يبسمون،
| |
لم يبق من حجر عليها فهي ريح أو خيال.
| |
وأدار من خطم البلاد رحى، وساط من البطون
| |
ما ترتعيه رحاه من لحم الأجنة والعظام،
| |
وكشاطئين من النجوم على خليج من ظلام
| |
يتحرقان ولا لقاء ويخمدان سوى ركام -
| |
شق الرجال عن النساء سلالتين من الأنام
| |
تتلاقيان مع الظلام وتفصلان مع الشروق:
| |
لو يقطعون الليل بحثا والنهار - على سواها
| |
في حسنها هي؟ في غضارة ناهديها أو صباها
| |
وبسعرها هي ؟ أي شيء غير هذا يبتغون؟
| |
عمياء أنت وحظك المنكود أعمى يا سليمه.
| |
وتلوب أغنية قديمه
| |
في نفسها وصدى يوشوش: يا سليمه، سليمه
| |
نامت عيون الناس. آه... فمن لقلبي كي ينيمه؟
| |
ويل الرجال الأغبياء، وويلها هي، من عماها!
| |
لم أصبحوا يتجنبون لقاءها؟
| |
عيونها، فيخلفوها وحدها إذ يعلمون
| |
بأنها عمياء؟ فيم يكابرون ومقلتاها
| |
أدري وتعرف أي شيء في البغايا يشتهون
| |
بنظرة قمراء تغصبها من الروح الكسيره
| |
لترش أفئدة الرجال بها، وكانوا يلهثون
| |
في وجهها المأجور، أبخرة الخمور، ويصرخون
| |
كالرعد في ليل الشتاء
| |
ولعل غيره ""ياسمين"" وحقدها سبب البلاء
| |
فهي التي تضع الطلاء لها وتمسح بالذرور
| |
وجها تطفأت النواظر فيه....
| |
كيف هو الطلاء؟
| |
وكيف أبدو؟
| |
- وردة ... قمر... ضياء!
| |
زور.. وكل الخلق زور،
| |
والكون مين وافتراء
| |
لو تبصر المرآة - لمحة مقلتيها - لو تراها
| |
- لمح النيازك - ثم تغرق من جديد في عماها!
| |
برق ويطفأ... ثم تحكم فرقها بيد، وفاها
| |
بيد، وترسم بالطلاء على الشفاه لها شفاها
| |
شفتاك عارية وخدك ليس خدك يا سليمه،
| |
ماذا تخلف منك فيك سوى الجراحات القديمه؟
| |
وتضم زهرة قلبها العطشى على ذكرى أليمه:
| |
تلك المعابثة اللعوب... كأنها امرأة سواها!
| |
كالجدولين تخوض ماءهما الكواكب - مقلتاها،
| |
والشعر يلهث بالرغائب والطراوة والعبير
| |
وبمثل أضواء الطريق نعسن في ليل مطير،
| |
تقتات بالعسل النقي وترتدي كسل الحرير.
| |
ليت النجوم تخر كالفحم المطفأ والسماء
| |
ركام قار أو رماد، والعواصف والسيول
| |
تدك راسية الجبال ولا تخلف في المدينة من بناء!
| |
أن يعجز الإنسان عن أن يستجير من الشقاء
| |
حتى بوهم أو برؤيا، أن عيش بلا رجاء...
| |
أو ليس ذاك هو الجحيم؟ أليس عدلا أن يزول؟
| |
شبع الذباب من القمامة في المدينة، والخيول
| |
سرحن من عرباتهن إلى الحظائر والحقول،
| |
والناس ناموا -
| |
هذا الذي عرضته كالسلع القديمة: كالحذاء،
| |
أو كالجرار الباليات، كأسطوانات الغناء...
| |
هذا الذي يأبي عليها مشتر أن يشتريه
| |
قد كان عرضا - يوم كان - ككل أعراض النساء!
| |
كان الفضاء يضيق عن سعة، وترتخص الدماء
| |
إن رنق النظر الأثيم عليه. كان هو الإباء
| |
والعزة القعساء والشرف الرفيع. فشاهديه
| |
يا أعين الظلماء، وامتلئي بغيظك وارجميه
| |
بشواظ عارك واحتقارك يا عيون الأغبياء!
| |
للموت جوعا، بعد موتي - ميتة الأحياء - عارا.
| |
لا تقلقوا.. فعماي ليس مهابة لي أو وقارا.
| |
مازلت أعرف كيف أرعش ضحكتي خلل الرداء
| |
كالقمح لونك يا ابنة العرب،
| |
كالفجر بين عرائش العنب
| |
أو كالفرات، على ملامحه
| |
دعة الثرى وضراوة الذهب.
| |
عربية أنا: أمتى دمها
| |
خير الدماء... كما يقول أبي.
| |
تجري دماء الفاتحين. فلوثوها، يا رجال
| |
أواه من جنس الرجال... فأمس عاث بها الجنود
| |
الزاحفون من البحار كما يفور قطيع دود
| |
يا ليت للموتى عيونا من هباء في الهواء
| |
ترى شقائي
| |
إلا العفاة المفلسين.
| |
أنا زهرة المستنقعات، أعب من وحل وطين
| |
وأشع لون ضحى...
| |
وذكرا بجعجعة السنين
| |
سعالها. ذهب الشباب!!
| |
ذهب الشباب!! فشيعيه مع السنين الأربعين
| |
ومع الرجال العابرين حيال بابك هازئين.
| |
وأتي المشيب يلف روحك بالكآبة والضباب،
| |
فاستقبليه على الرصيف بلا طعام أو ثياب،
| |
يا ليتك المصباح يخفق ضوءه القلق الحزين
| |
في ليل مخدعك الطويل، وليت أنك تحرقين
| |
دما يجف فتشترين
| |
سواه: كالمصباح والزيت الذي تستأجرين.
| |
عشرون عاما قد مضين، وشبت أنت، وما يزال
| |
يذرذر الأضواء في مقل الرجال.
| |
لو كنت تدخرين أجر سناه ذاك على السنين
| |
أثريت..
| |
ها هو ذا يضيء فأي شيء تملكين؟
| |
ويح العراق! أكان عدلا فيه أنك تدفعين
| |
سهاد مقتلك الضريره
| |
ثمنا لملء يديك زيتا من منابعه الغزيره؟
| |
كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين؟
| |
عشرون عاما قد مضين، وأنت غرثى تأكلين
| |
بنيك من سغب، وظمأى تشربين
| |
حليب ثديك وهو ينزف من خياشيم الجنين!
| |
وكزارع له البذور
| |
وراح يقتلع الجذور
| |
من جوعه، وأتى الربيع فما تفتحت الزهور
| |
ولا تنفست السنابل فيه...
| |
ليس سوى الصخور
| |
سوى الرمال، سوى الفلاه -
| |
خنت الحياة بغير علمك، في اكتداحك للحياه!
| |
كم رد موتك عنك موت بنيك. إنك تقطعين
| |
حبل الحياة لتنقضيه وتضفري حبلا سواه،
| |
حبلا به تتعلقين على الحياة: تضاجعين
| |
ولا ثمار سوى الدموع، وتأكلين،
| |
وتسهرين ولا عيون، وتصرخين ولا شفاه،
| |
وغدا. وأمس ... وألف أمس - كأنما مسح الزمان
| |
حدود ما لك فيه من ماض وآت
| |
ثم دار، فلا حدود
| |
ما بين ليلك والنهار، وليس، ثم، سوى الوجود
| |
سوى الظلام، ووطء أجساد الزبائن، والنقود،
| |
ولا زمان، سوى الأريكة والسرير، ولا مكان!
| |
لم تسحبين ليالى السأم المسهدة الرتيبه؟
| |
ما العمر؟ ما الأيام؟ عندك، ما الشهور؟ وما
| |
السنين؟
| |
ماتت ""رجاء"" فلا رجاء ثكلت زهرتك الحبيبه!
| |
بالأمس كنت إذا حسبت فعمرها هي تحسبين.
| |
كانت عزاءك في المصيبه،
| |
وربيع قفرتك الجديبه.
| |
كانت نقاءك في الفجور، ونسمة لك في الهجير،
| |
وخلاصك الموعود، والغبش الالهي الكبير!
| |
ما كان حكمه أن تجيء إلى الوجود وأن تموت؟
| |
ألتشرب اللبن المرنق بالخطيئة واللعاب:
| |
أو شال ما تركته في ثدييك أشداق الذئاب؟
| |
مات الضجيج وأنت، بعد، على انتظارك
| |
تتنصتين، فتسمعين
| |
رنين أقفال الحديد يموت، في سأم، صداه:
| |
الباب أوصد
| |
ذاك ليل مر...
| |
فانتظري سواه.
|
بحث هذه المدونة الإلكترونية
الجمعة، 7 نوفمبر 2014
العدد الخامس عشر لسنة 2014 ... قصائد لكبار الشعراء .. المومس العمياء .. بدر شاكر السيّاب
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق