العدد التاسع لسنة 2014
هاربٌ من نرجسيّتي ..
قصة قصيرة
بقلم - ( محمد فتحي المقداد )
اكتشفتُ نفسي متأخراً، أنني على درجة عالية من النرجسية، فأرى في نفسي أني أحسن وأفضل من الآخرين، ممن أراهم و ألتقيهم، وأتعامل معهم بحكم عملي المهني كـ ( حلاّق ). فصنعتُ بُرْجاً عاجِيَّاُ.. جلستُ فيه أعاينُ الأمور من موقعي، مُترَفِّعاً بعيداً عن واقعي.
في الخريف تأملتُ شجرة رابضة في ساحة الدار من خلال النافذة، بعدما تعبتُ من الجلوس خلف حاسوبي لساعات طويلة، قمتُ من مكاني، الخدر يتناسل من أصابع يديّ وقدميّ، عظامي واهنة، وجهي شاحبٌ، عيناي غائرتان في مِحْجَرَيْهِما أرهقهما طول النظر في شاشه الحاسوب، وأنا أنتقل بين مواقع الأنترنت، بإدمان عجيب، فنجان القهوة بجانبي يتجدد كل ساعتين، و ابريق الشاي لا يفارقني إلاّ في حالات النوم، كما أن ثلاث علب سجائر باتت لا تكفيني خلال اليوم الواحد، حيث زادت لتصبح أربع علب، بعملية حسابية ضاق بها عقلي، ثمانون لفافة تبغ يومياً، احتراق وأي احتراق، انتحار عجيب يأخذني في متاهات مجهولة، حقيقة لا أدري تلك المخاطر عندما استجدَّتْ في دروب حياتي، وإرهاق مادي، رغم أن أول أولوياتي كلاجئ رغيف خبزٍ لأطفالي، و هم يتضوَّرون جوعاً، ينتظرون كوبون الإعاشة من العم ( بان كيمون )، فلو لا ذلك الرجل الذي يرأس الهيئة الأممية الشحّادة الدُّمْية في أيدي الكبار،وهي تكيل بمكيالين، فما الذي يجري لنا، بلادنا قذفت بنا إلى قعر مخيمات اللجوء، لنترك البيوت العامرة، ونسكن بؤس الخيمة، وما أدراكم ما الخيمة..!!، والصعوبات الحياتية اليومية وعلى مدار الساعة، هربتُ مع عائلتي في ليلة ليلاء، قاطعاً أسلاك المخيم لأول قرية مجاورة له، في رحلة عذاب طويلة في مسلسل لا ينتهي من غلاء المعيشة، و ارتفاع إيجارات البيوت، و البحث عن عمل مهما كان، الاستغلال لي في النواحي التي سلكتها، صبرتُ متجرعاً مُرّ العلقم.
سُوسَةٌ نَخَرَتْ شخصيتي، كما نَخَرَتْ عصا سيدنا سليمان عليه السلام، و شيئاً فشيئاً تعرّى داخلي، قواعدي و مرتكزاتي في لحظة ما، صارت تافهة بلا معنى، انهدم كل شيء وانتهى، و كأن شيئاً لم يكن .. عندما فقدت المحبة الحقيقية، أهلي عافوني، أصدقائي وخِلاّني هجروني.
أصحبتُ عارياً تماماً كالشجرة تلك..!!
فلم أكنْ أرى إلاّ نفسي .. فلا عطر أزكي من عطري .. و لا ثوب أجمل من ثوبي .. و لا وجه أنضر من وجهي .. و لا فكرة أقوى من فكرتي .. أنا .. وأنا فقط .. فلأعِشْ و ليفنى العالم من بعدي.
في صحراء تيهي .. تورّم غروري .. وتضخّم أناي بين الكُثبان .. منبوذاً كصنم حطّمة عُبّادهُ بعدما اهتدوا.. يا إلهي ..!! ..
ما العمل ..؟
ها أنا وحيدٌ أُكلِّمُ نفسي، الجُدران عابسةٌ كوجه مُغَسِّلِ الأموات الكالح، لا يأبه لغبار الموت وهو يغطي ملامحه، ضاقت الدنيا فصارتْ كَسُمِّ إبرة، أذوي شيئاً فشيئاً، فأهرب للعالم الافتراضي على الأنترنت، كوَّنْتُ عالماً وهمياً من الصداقات، لا أعرف شيئاً عمّنْ أطلب صداقتهم أو يطلبوني إياها، أهُمْ من الأخيار أم من الأشرار..؟ يا تُرى هل هم مثلي، هجروا واقعهم كهجرة الأدمغة العربية، من مستنقع بلادهم الضحل، فاضمحلّتْ قدراتهم، ومات ابداعهم، فاستقبلتهم بلاد العم سام، تمهد لهم الطريق المزينة بالورود وتحقيق أحلامهم.
الصمت القاتل يخيّم على غرفتي، عفنٌ مُتوطِّنٌ، كآبة دائمة، اطفأتُ الأنوار قبيل الفجر، الكسل وحب النوم، أفقدني عملي الذي لم أكن أكسب منه إلا الشيء القليل، أرباب العمل يطلبون الكثير من الأعمال، و الأجور زهيدة.
..يتبع..


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق